‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإسلام. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 11 أكتوبر 2010

الإسلام مشكلة أوباما

الإسلام مشكلة أوباما
د. طارق أبو غزالة
27-8-2010

خرج علينا القس غراهام الابن هذا الشهر ومع احتدام النقاش حول بناء المركز الاسلامي في مدينة نيويورك و مناصرة أوباما لحق المسلمين الدستوري في بناء هذا المركز وما تلا ذلك من هجوم اليمين المتطرف في أمريكا على أوباما واتهامه بأنه مسلم، خرج علينا القس الابن بمقولة ان "مشكلة أوباما تكمن في انه ولد مسلما لأن أباه مسلم"
القس غراهام ليس قساً إنجيلياً عادياً من قساوسة أميركا, ولكنه رئيس جمعية بيلي غراهام الإنجيلية ورئيسها التنفيذي ورئيس منظمة الإغاثة المسيحية العالمية , ووالده هو القس الشهيربيلي غراهام الذي كان مستشاراً روحياً لاثني عشر رئيساً أمريكيا ًبدءاً بهاري ترومان و انتهاء بأوباما.
لذا فإن ما يقوله القس غراهام الإبن له يكتسب أهمية كبيرة كونه يمثل شريحة كبيرة و مؤثرة في مسيحي أمريكا.
وبالعودة إلى كلام القس غراهام فنحن لا نعلم ما المشكلة في أن يكون أوباما مسلما أو غير مسلم ولكن الذي نعلمه أنه لم يشفع للرئيس أن أباه المسلم هجره و أمه وهو ابن سنتين. و لم يشفع له أن أمه مسيحية أمريكية. كما لم يشفع له أنه نشأ في كنف جده و جدته لأمه المسيحيين. ولم يشفع له أنه درس في مدارس أميركا العلمانية و جامعاتها و تخرج منها محامياً رفيعاً يؤمن بأميركا و مُثُلِها. كما لم يشفع له أنه انتخب سيناتوراً عن ولاية إلينوي عام 2004 وأنه أقسم يمين الولاء لمنصبه و يده على الكتاب المقدس. و لم يشفع له أنه انتخب رئيساً لأمريكا عام 2008 و أقسم يمين الولاء مرة أخرى لمنصبه و يده على الكتاب المقدس أمام رئيس المحكمة الدستورية العليا و باقي العالم.
لم يشفع للرئيس أوباما أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية و أنه استمر في حربين ضد بلدين مسلمين (أفغانستان و العراق) و لم يف بوعده بإغلاق معتقل غوانتانامو المخصص للسجناء المسلمين.
لم يشفع للرئيس مساندته لاسرائيل في كل طلباتها من الفلسطينين والعرب ووقوفه معها بعد فضيحة مهاجمة وقتل تسعة من الاتراك المسلمين الذين جاؤوا في قافلة الحرية عزّلاً لفك الحصار عن غزة المحاصرة. لم يشفع له كل ذلك, فالمشكلة هي انه ولد مسلماً.
فإذا كان أحد كبار القساوسة ينظر إلى الرئيس أوباما أن لديه مشكلة و هي أنه ولد مسلماً فكيف ينظر القساوسة إلى كل مسلم سواء ولد مسلماً و بقي على إسلامه أو ولد مسلماً ثم بدل دينه؟
ما سر تلك النظرة "المشكلاتية" تجاه كل من ولد مسلماً و لو كان رئيساً مخلصا للولايات المتحدة الأمريكية؟
و إذا كانت تلك مشكلة أوباما فهل سيفكر مسلم أمريكي يوماً أن يترشح لمنصب رئيس البلاد؟ أليست هذه رسالة إلى كل من ولد أمريكياً مسلماً أن لا تحلم بأن تكون يوماً رئيساً لنا فمشكلتك أنك ولدت مسلماً و لو تنصرت. أليست تلك رسالة مفادها و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى و لو كنت أوباما؟
ما هي المشكلة إذاً؟ لماذا لدى أوباما "مشكلة؟
إن تحليل الأمر ليس بالبسيط و يعود تاريخه إلى ألف سنة خلت. إلى بدايات الألفية الثانية و نهاياتها.
ففي بدايات الألفية الثانية و في عام 1096 للميلاد بدأت أولى الحملات و الحروب الصليبية على بلاد المسلمين. و الذي يقرأ أسباب الحملة سيجد أن جزءاً كبيرأ من ذلك يعود إلى نظرة الاستعلاء و التكبر. فالهدف المعلن للحملة و الذي التفت حوله الجماهير الأوربية كان تخليص موطن المسيح (عليه السلام) من نجاسة المسلمين. ولا يدل ذلك إلا على نظرية الاستعلاء في نفس الأوربي المسيحي تجاه كل من ليس كذلك و لو كان مسيحياً شرقياً.
أما في نهايات الألفية الثانية فقد بدأ عصر الاستعمار الغربي للشرق. بدأت بذور ذلك العصر برحلات الاستكشاف الغربية التي كانت تهدف إلى الالتفاف حول طرق التجارة العالمية بين الغرب و الشرق و التي كانت آنذاك تحت سيطرة المسلمين. و بذلك اكتشف كولومبوس أميركا و اكتشف فاسكو دو غاما رأس الرجاء الصالح. و كانت نتيجة اكتشاف كولومبوس إبادة 13 مليونا من السكان الأصليين لقارة أميركا (الهنود الحمر) و من ثمّ استعباد ملايين السود من قارة أفريقيا ليقوموا بخدمة العالم الجديد.
أما نتيجة اكتشاف فاسكو دو غاما فكانت سلخ الهند من المسلمين و استعمارها و السيطرة عليها, وبذلك بدأ عصر التفوق العسكري للغرب ضد الشرق. منذ ذلك التاريخ لا يسمح الغرب للشرق العربي الإسلامي بأي تفوق عسكري و كل من تراوده نفسه بسلوك سبيل التطور و التفوق العسكري يضرب ويباد وخير مثال مصر أيام محمد علي باشا و العراق أيام صدام حسين.
بسقوط المشرق العربي و الإسلامي تحت الاحتلال الغربي الاستعماري في القرن التاسع عشر و العشرين بلغ الاستعلاء والتكبر ذروته. وكان يغذي هذا الاستعلاء و التكبر حالة التخلف الشديد التي وصل إليها المسلمون في كل مكان.
وانتقلت حالة التكبر تلك إلى وسط العالم العربي الإسلامي عبر هجرة اليهود الغربيين أولا إلى فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل بمعاونة الغرب متمثلاً ببريطانيا العظمى في مرحلة التأسيس ثم انضمام فرنسا في مرحلة التسليح النووي و انتهاء بالولايات المتحدة في مرحلة التثبيت. انتقلت حالة التكبر و الاستعلاء من الغرب إلى اسرائيل متمثلاً بنظرة الاستعلاء التي يكنها اليهود الغربيون (الأشكيناز) على كل من سواهم من الشرقيين من مسلمين ومسيحيين بما في ذلك اليهود الشرقيون (السفارديم).
في مقابل ذلك, و بسبب الحروب و ما جرتها على العالم العربي من ويلات و كوارث بدأت هجرة معاكسة من الشرق إلى الغرب هاجر فيها مئات الألوف بل الملايين من العالم العربي إلى أوربا و أميركا.
بداية لم تشكل تلك الهجرة أي أثر يذكر على نمط الحياة الغربية بل معظمها ذاب في المجتمعات الغربية و لكن مع تنامي حالة العداء للغرب في العالم العربي وبدء الصحوة الإسلامية, بدأ المهاجرون العرب ينتقلون إليه وفي نفوسهم حاجز نفسي تجاهه. وبدأوا يتكتلون ولكن من دون انتظام في أي حياة سياسية في الغرب. وبدأ جدل كبير بين المسلمين الغربيين الذين أسلموا و إخوانهم الشرقيين عن جدوى الانخراط في الحياة السياسية و الاجتماعية في الغرب. و كان هذا الجدل غالباً ما ينتهي بإغلاق باب الانخراط السياسي و الاجتماعي تحت حجج الولاء و البراء و المفاصلة من دون أي اعتبارات لوضع المسلمين الغربيين والأخطار الناجمة عن الانعزال عن مجتمعاتهم الجديدة. وكثيرة هي الفتاوى التي كانت تطالب أي امرأة غربية اعتنقت الإسلام بالانفصال عن زوجها و أسرتها بل و مناصبتهم العداء لأنهم غير مسلمين.
ولكن لابد لكل فعل من رد فعل. ورد المسلمون الغربيون بفتح الجدل و النقاش مرة أخرى في مسألة الانخراط في الحياة السياسية و الاجتماعية في الغرب و في هذه المرة و بعد نقاش دام سنوات و بفضل المتنورين من علماء المسلمين الذين زاروا الغرب بل و عاشوا فيه بدأت طلائع الاجتهاد الجديد بالإثمار. ومع نهايات القرن العشرين و بدايات القرن الجديد بدأ المسلمون ينخرطون في كل مناحي الحياة الغربية التي توافق القيم الاسلامية. كانت حركة الانخراط هذه تسير قدما و بشكل حثيث رغم الصعوبات الداخلية و الخارجية التي واجهتها من المسلمين أنفسهم ومن المتعصبين الغربيين.
تمثلت الصعوبات الداخلية (داخل المجتمع المسلم الأمريكي) برفض البعض من المسلمين المهاجرين الانخراط في المجتمع الغربي بل و الإصرار على نقل عادات و تقاليد المجتمع الشرقي كما هي دون تبديل إلى المجتمع الجديد. وانتقلت عدوى رفض الانخراط هذه إلى بعض المسلمين الغربيين الذين ظنوا أن الشكل الإسلامي مقصور على الشكل الشرقي وأن لابد من ختم الشرق المسلم على كل قرارات أخيه الغرب المسلم قبل أن تصبح قابلة للتنفيذ. ولعلك أصبحت ترى في بعض الأحيان مسلماً غربياً لا يختلف شكلاً عن المسلم الشرقي بل ولا يختلف سلوكاً متمثلاً في الانعزال و تبني عقيدة الولاء و البراء ضد الجميع ممن ليسوا بمسلمين إلى درجة التحريض عليهم بل و الفتوى أحيانا بقتلهم بدعوى أنهم هم من انتخب القيادات الأمريكية التي كانت ماتزال داعمة لإسرائيل و تخوض حرباً في الصومال وتحاصر و تحارب العراق. وانتهى الأمر بتفجير سيارة تحت برج التجارة العالمي عام 1993 ودخول العلاقة بين المسلمين و باقي الأمريكيين منحى جديداً.
أما الصعوبات الخارجية (خارج المجتمع المسلم الأمريكي) فالمجتمع الغربي الأمريكي نفسه كان قد خاض داخلياً عدة حركات مواجهة بين الأنغلوساكسون القابضين على زمام السلطة والثروة و باقي الأعراق من إيطاليين و إيرلنديين و شرقيين (يابانيين و كوريين و صينيين) و زنوج وإسبان انتهت كلها بالإقرار بحقوق تلك الأقليات الدستورية دون نقصان و لو أن كل تلك الأقليات مازالت في حالة تأهب و توثب ضد أي انتهاك أو التفاف قد يقوم به أي طرف على تلك الحقوق التي انتزعوها انتزاعاً عبر صراع طويل.
وهنا تبرز أهمية العلاقة بين داخل المجتمع المسلم و خارجه في أميركا و تأثير ذلك على المجريات المحلية و الدولية. فعلى الصعيد الداخلي تنبه المسلمون إلى خطورة وضعهم وهشاشته صبيحة الحادي عشر من سبتمبر و الطائرات تختطف و تضرب و تدمر برجي مركز التجارة العالمي و الجدار الجنوبي الغربي لوزارة الدفاع الأمريكية. كان لابد للقيادة الأمريكية من الرد على تلك الهجمات الآثمة الشنيعة. وكان موطن الرد في عمق العالم الإسلامي. لذلك انتبهت القيادة السياسية إلى أهمية عدم المساس بالإسلام من ناحية المبدأ و عدم المساس بالمسلمين الأمريكين بشكل ثانوي و محاولة احتوائهم وعدم السماح باستهدافهم. و رغم كل محاولات الحكومة الأمريكية فقد تعرض المسلمون إلى حملات كراهية رغم أنها كانت الأقل في دول العالم الغربي. وزار الرئيس الأمريكي يومها جورج بوش المسجد مرتين و تكلم عن سماحة الإسلام وتكلم الكثير من ذوي المناصب الحكومية الفدرالية أن الإسلام ليس هو المستهدف في الحرب الجديدة على الإرهاب, بل وأنشأ لذلك إدارة خاصة في وزارة الخارجية الأمريكية لتلميع صورة أمريكا في العالم الإسلامي رئستها المستشارة كارين هيوز التي تربطها بالرئيس جورج بوش علاقة عمل حميمة. ولكن مع الكلام عن سماحة الإسلام بدأت حملة حكومية منظمة ضد المسلمين وبدأ الكونغرس وبتأثير من الإدارة الأمريكية بسن وتشريع قوانين جديدة ضد الإرهاب فصلت على مقاس المسلمين في أميركا سميت بقانون مكافحة الإرهاب الذي استهدف المسلمين و لكن طالت نتائجه كافة شرائح المجتمع وأصبحت الخصوصية الشخصية التي ميزت المجتمعات الغربية عموماً وأمريكا خصوصاً والتي كانت محمية بالقوانين سابقاً, أصبحت هذه الخصوصية تاريخاً يترحم عليه.
على صعيد آخر فقد رافق الحملة الحكومية على المسلمين حملة منظمة أخرى ولكن هذه المرة على مستوى الإعلام الأمريكي. هذه الحملة الإعلامية كانت عكس الحملة الحكومية ليست موجهة ضد المسلمين ولكن ضد الإسلام (لأن القوانين الأمريكية تمنع استهداف الأفراد والتشهير بهم بناء على عقائدهم وأي استهداف لمسلم خطاً في غير مكانه قد يترتب عليه نتائج قضائية و مالية كبيرة في حال رفع المسلمون الدعاوي ضد التشهير)
بدأت الماكينة الجبارة للإعلام الأمريكي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بالتهجم على الإسلام وثوابته على حذر واستحياء بادئ الأمر ثم اشتد هذا التهجم مع المحافظة على خطوط حمراء لا يتعداها ولكن و في الآونة الأخيرة تحول هذا التهجم الحذر إلى هجوم شديد سافر متسارع منظم وممول.كان أحد أسباب هذا الهجوم السافر على الإسلام هو الجهد و الإنهاك الذي أصاب المسلمين بسبب استهدافهم المنظم من الحملة الحكومية التي كانت تراقب مساجدهم و تحركاتهم الداخلية و الخارجية وتمنع بعضهم من الصعود للطائرات وتدس المخبرين بين صفوفهم ثم تعتقلهم و تزج بهم في السجون لسنوات طويلة بل و حتى لعقود و تتبع أرصدة أموالهم و مصارف زكاتهم و صدقاتهم. منع هذا الإنهاك المسلمين من الدفاع عن دينهم كيلا يشك بولائهم لبلدهم أمريكا.
هذه الحملة آتت أكلها أول الأمر فانكمش المسلمون و أحجموا عن الانخراط الجاد في الدفاع عن دينهم و أنفسهم اللهمّ إلا بعض الأفراد و المنظمات الإسلامية التي كانت تحاول جاهدة الحفاظ على مكتسبات مرحلة ماقبل الحادي عشر من سبتمبر والتي بدأت تتبخر و الحفاظ على كينونة المسلمين أنفسهم في أمريكا التي ينتمون إليها, هذه الكينونة التي أصبحت هي نفسها مهددة سواء من حيث استهداف الحكومة للمسلم لأنه شرير فطرة أو تصوير الإعلام لدينه بأنه شرير أصلاً. وانتهى الأمر اليوم بتصوير أي مسلم في مريكا أو خارجها بأنه شر محض وأن دينه شر محض. وليس أدل على ذلك من الحملة المسعورة التي قام بها بعض من أعضاء الكونغرس عندما علموا بوجود متدربين أمريكيين "مسلمين" في مكاتبهم.
تختلف إذاً هذه الحملة على المسلمين في أمريكا عن حملات استهدفت أقليات أخرى بأن الحملة على المسلمين استهدفت المسلمين و مايؤمنون به. أما الحملات على غيرهم فهي نوعان أما استهداف للٌأقلية نفسها و اضطهادها و إما استهداف لما يؤمن به الأفراد المستهدفون.
فاستهداف الإيطاليين و الإيرلنديين و الزنوج و اليابانيين و الصينين و الإسبان واليهود كلها استهدفت تشويه صورة أفراد هذه الأقليات دون تشويه ما يؤمنون به.
أما استهداف الأمريكين ذوي الميول الشيوعية في منتصف القرن العشرين من قبل السيناتور مكارثي فقد استهدف ما يؤمن به أولئك الناس دون تشويه انتماءاتهم العرقية و الدينية.
أما استهداف المسلمين في أمريكا اليوم فهو تشويه المسلمين و ما يؤمنون به و هذه هي الحالة الوحيدة التي تستهدف تشويه جماعة بشرية معينة و تشويه ما تؤمن به وهذه المرة الأولى التي يجري فيها ذلك في تاريخ أمريكا.
لم تستهدف الحملات السابقة إيمان الناس و دينهم من إيطاليين و إيرلنديين لأنهم يدينون بالنصرانية الدين نفسه لمعظم الأمريكين. ولم تستهدف معتقد الصينين و اليابانيين لأسباب أخرى أهمها أن البوذية والهندوسية ليست ديانة تبشيرية كالإسلام وليست منهج حياة ديناميكي يتجدد بتجدد الزمان و تبدل المكان, ولم تستهدف إيمان السود الأمريكيين لأن معظمهم اعتنق المسيحية. كما لم تستهدف الحملة ضد الشيوعية تشويه الناس لأن المتعاطفين مع الشيوعية في ذلك الزمان أتوا من كل أطياف المجتمع و لم يقتصروا على فئة دون أخرى فكان منهم الأبيض و الأسود و المسيحي و اليهودي.
وهنا تكمن معضلة أمريكا! هذه المعضلة تبدو كالدائرة المفرغة لا حل لها.
فاستهداف المسلمين وتشويههم و تشويه ما يؤمنون به انتهى إلى نتيجة غير متوقعة على الصعيدين الداخلي و الخارجي.
فعلى الصعيد الداخلي أدى هذا الاستهداف إلى استهداف المسلم الأبيض الأنغلوساكسوني و الإيطالي و الإيرلندي و الأسود و الإسباني و العربي و الهندي و الباكستاني وكل هؤلاء ينتمون إلى أقليات أخرى فيهم المسلم و غير المسلم و هذا يزرع بذور الانفجار داخل كل أقلية ويمهد لاصطفاف جديد. فالأقلية السوداء التي كانت على مر العقود متكاتفة بغض النظر عن أي اعتبارات او انتماءات أخرى إلى درجة تجعل الجنرال المحافظ من حزب الجمهوريين كولن باول الأسود يؤيد المرشح الليبرالي من حزب الديموقراطيين باراك أوباما الأسود على منافسه المحافظ مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين الأبيض. هذه الأقلية الآن مهددة بالانقسام بين أسود مسلم و أسود مسيحي ومهددة بنسيان الذاكرة الجمعية لهذه الفئة التي عانت ألوان العذاب والعبودية و الذل والاضطهاد بغض النظر عما يؤمنون به. كلنا شاهد القس مارتن لوثر كينغ الأسود في مناهضته للعنصرية و قد اصطف وراءه المسلمون السود.
وينسحب ذلك على باقي الأقليات و الأعراق. سينسى الإسبان معاناتهم واضطهادهم ونظرة التمييز ضدهم لأن الشرير فيهم هو الإسباني المسلم.
إن التمييز اليوم ضد المسلمين سيتغلغل إلى داخل المجتمع الأمريكي بكافة أطيافه وستأكل أمريكا أبناءها.
أما على الصعيد الخارجي فقد أدى استهداف المسلمين و تشويه دينهم إلى استقطاب شديد ضدهم في كل أرجاء العالم الإسلامي. فالذين أتوا ليحرروا أفغانستان و العراق من طالبان و صدام كيف لهم أن يكسبوا قلوب و عقول الأفغان و العراقيين والإعلام الأمريكي و حكومته يعرِّضون بالإسلام و المسلمين ليل نهار؟ وهل سيقبل أهل فلسطين بأميركا كويسط نزيه لحل قضيتهم مع اسرائيل التي تهتكت صورتها بسبب فظائعها بينما الإعلام الأمريكي و حكومته يستهزءون بالإسلام و المسلمين صباح مساء؟
أما على صعيد حلفاء أمريكا في العالم العربي و الإسلامي فهؤلاء سيكونون أول ضحايا هذا الاستهداف خاصة مع استنكاف هؤلاء عن محاولة صد هذه الهجمة على الإسلام والمسلمين وثانياً مع ظهور المعلومات التي تشير إلى استثمار كبير من أموال هؤلاء الحلفاء في ماكينة الإعلام الأمريكي. وكأن المال الإسلامي و العربي هو الذي يغذي حملة الكراهية على الإسلام والمسلمين. عندما يفيق المسلمون على هذه الحقيقة فأول ما يتوقع هو قطعهم لتلك اليد التي تزود ماكينة الإعلام الأمريكية بالمال اللهمّ إلا إذا أفاق الحلفاء وقطعوا المال أنفسهم قبل أن تقطع أيديهم. ليست هذه دعوة للتحريض على الحلفاء و لكنها محاولة قراءة ما قد يتكشف عنه المستقبل إن استمر اصطفاف الحلفاء مع أمريكا في الوقت الذي يصور الإسلام و المسلمون أنهم شر محض.
إن الصورة السابقة كانت أن أمريكا تدعم حلفاءها على شعوبهم في العالم العربي و الإسلامي. أما الصورة اليوم فهي أن حلفاء أميركا يدعمونها فيما تذهب إليه من استهداف و تشويه للإسلام و المسلمين و فرق كبير بين الصورتين.
الصورة السابقة احتملت اللبس بأن الأمر يقع في باب السياسة وأن دعم أميركا إنما هو دعم ضد أخطار كبرى تهدد المنطقة من إرهاب و قوى صاعدة على سلم النادي النووي. أما الصورة اليوم فلن تحتمل أي لبس لأن أي تشويه ضد الإسلام و المسلمين كان منذ فجر الإسلام خطاً أحمر لأن الإسلام يقارع الحجة بأختها أما قذفه والمسلمين بأشنع الألفاظ دون إتاحة الفرصة لهم للرد على الأقل فستعود على الجميع بأسوأ العواقب.
بعد كل ذلك لا بد من الإشارة إلى حالة التفاؤل التي سادت بين المسلمين داخل أميركا و خارجها مع قدوم أوباما إلى البيت الأبيض. هذا التفاؤل بدأ بالتآكل بسبب اشتداد الحملات على الإسلام و المسلمين داخل أميركا و خارجها بل قد تغير إلى حالة من التشاؤم و اليأس الذي سيؤدي دون شك إلى مواجهة لا داعي لها بين أمريكا و العالم و الإسلامي.
إن استنكاف الرئيس السابق بوش عن الإدلاء برأيه في مسألة المركز الإسلامي وسماحة الإسلام كما كان يفعل أيام رئاسته و ذهاب بعض أعيان إدارته إلى التهجم على المشروع علنا أو المطالبة بنقل المركز الإسلامي إلى مكان أبعد من المكان الحالي المزمع إقامته عليه كما ورد في مقالة في الواشنطن بوست بتاريخ 22-8-2010 بقلم كارين هيوز المسؤولة السابقة في إدارة بوش و المسؤولة آنذاك عن تحسين صورة أمريكا في العالم الإسلامي, إن هذا الاستنكاف لعله يشير إلى نفاق تلك الإدارة يوم أن نادت بتسامح الإسلام بينما هي تخوض حروبها في ذات العالم الإسلامي.
ليست المشكلة إذاً في الإسلام ولا في معتقد الرئيس أوباما سواء كان مسلماً أو غير ذلك و لكن المشكلة في عقلية الاستعلاء عند تلك الفئة من الناس التي تظن أن التاريخ يبدأ بها وينتهي وأن أرض الله الواسعة لا تسع غيرها.
أما الحل لتلك المشكلة فليس في نقل المركز الإسلامي بعيداً عن مكانه الأصلي و لكن الحل يكمن في وقف تلك الحملات المسعورة على الإسلام و أهله داخل أميركا و خارجها, ثم انفتاح العقول على الإسلام ومن ثمّ مد الجسور بين أولئك الذين يظنون أن المشكلة في الإسلام والمسلمين

كيف غادر المسلمون الحضارة.

كيف غادر المسلمون الحضارة.
د. طارق بن زياد أبو غزالة

لو أنك سألت مفكراً من المفكرين الغربيين من قائل العبارة التالية:"لا يمكنك أن تقف في نفس النهر مرتين"؟ فستكون الإجابة "هرقليطس"ولو سألته ماهي الفكرة الرئيسة لمؤلفات كل من أفلاطون وأرسطو وشكسبير ولوك ووليم جيمس وهيغل وماركس.... فسيكون الجواب موحداً نوعاً ما.
إن هذه الوحدة النوعية في الإجابة تدل على أن هناك نظاماً فكرياً يحكم العالم الغربي وخاصةً الدوائر الفكرية العليا التي ترسم للمجتمع سياساته عموماً.

إنّ مشكلة العالم الإسلامي ذات شقين:
أولاً: نحن المسلمين لدينا فكرة قد تكون غير صحيحة عن مفكري الغرب وكثيرٌ من الدراسات الإسلامية الفكرية تعتبر نظرية المؤامرة ركناً أساسياً في صياغة خطابها للناس. فكارل ماركس مثلاً متآمرٌ على الإسلام فهو جزء من نظرية المؤامرة والتي تتضمن فرويد ودارون . وكثيراً ماتقدم أفكار ماركس على أنها مرتبطة بأ فكار فرويد ودارون رغم أن ماركس كان متأثراً على حدٍ كبير بنظرية هيغل التي تتحدث عن تقدم التاريخ والتي استعملها ماركس للتنبؤ بنهاية التاريخ بوصف أن الشيوعية هي أهم وآخر مراحله.
وعلى مستوى آخر يوصف كثيرٌ من مفكري عصر النهضة الأوروبية بأنهم ضد الدين رغم أن كتاباتهم كانت بالأساس موجهة ضد سلطة الكنيسة في القرون الوسطى.
هؤلاء المفكِّرين يُعتبرون في الوعي الإسلامي جزءاً من نظرية المؤامرة لتحطيم الدين أو للقضاء على عبادة الإله .
ولكي يكون المرء منصفاً يجب التبيين أن كثيراً من هذه الكتابات الغربية لم تكن ضد الله بقدر ما كانت ضد سلطة الكنيسة على العقل والتي كانت تنتشر في طول أوروبا وعرضها.

ثانيا: نحن المسلمين لدينا فكرة مبهمة عن تراثنا بسبب الفهم الغامض عن كيفية تشكُّل هذا التراث.
إنَّ إحدى أهم مفاصل تشكل هذا التراث كانت في حركة الترجمة التي جرت خلال الدولة العباسية خلال حكم الخليفة المأمون. هذه الحركة حدثت بسبب احتكاك المسلمين بمؤلفات اليونان وترجمتها. كثير من علماء المسلمين اليوم يعتبرون حركة الترجمة هذه بدايه للانحدار الإسلامي وكثيراً مايستشهدون بكتابات أبي حامد الغزالي الكلاسيكية كالمنقذ من الضلال وتهافت الفلاسفة. وكثير منهم لايستطيعون تحمل ابن رشد لا لشيء إلا لأنَّه ردَّ على تهافت الفلاسفة بكتاب تهافت التهافت.
وبغض النظر عمن هو على صواب أو على خطأ فإن هذا الاحتكاك بين المسلمين واليونان لم يكن بالامكان تجنبه لإن الإسلام يأمر المسلمين بشكل لالبس فيه بالسير في الأرض والسفر بغية التعارف مع الشعوب والقبائل الأخرى لهذا فإن المسلمين كانو سيحتكـّون باليونان عاجلاً أو آجلاً. وهذا الاحتكاك حدث عندما تواجه المسلمون مع الإمبراطورية البيزنطية الرومانية الشرقية.
هذه الإمبراطورية كانت قد ورثت الإمبراطورية الرومانية الغربية والتي كانت قد ورثت بدورها أعمال اليونان.
خلال تلك الفترة كان العرب منهمكين في ترجمة أعمال اليونان والفرس والهنود. لم يترجم العرب تلك الأعمال فحسب بل أضافوا إليها. هذه الإضافات جاءت في شكل طريقة جديدة للوصول إلى الحقيقة.
لقد اخترع العرب الطريقة التجريبية والطريقة التثبتية؛ الأولى ضرورية للعلوم العلمية والثانية ضرورية للعلوم الشرعية في الوقت الذي كانت فيه أوربا تعيش في القرون الوسطى وكان هناك سجال فكري يتحدث عن مدينة الله ومدينة الإنسان .
كان المسلمون يعيشون في مدينة واحدة لا فرق بين الدين والحياة! وبدون هذه العلوم التي نقلها المسلمون وأضافوا إليها لكان العلم قد توقف ولاحتاجت الإنسانية إلى ألف سنة أخرى حتى تستيقظ. بالإضافة إلى اختراع هذه الطرق العلمية أضاف المسلمون بـُعداً جديدا للعلم وهو البعد الأخلاقي .
في مقدمه كتابه "المناظر" يصف المهندس البصري أبو علي الحسن بن الهيثم الطريقة العلمية
فيقول:
وقد كنا ألفنا مقالة في علم المناظر سلكنا في كثير من مقاييسها طرقاً إقناعية فلما توجهت لنا البراهين المحققة على جميع المعاني المبصرة استأنفنا تأليف هذا الكتاب.
فمن وقع إليه المقالة التي ذكرناها فليعلم أنها مستغنى عنها بحصول المعاني التي فيها في مضمون هذا الكتاب.

….وكل مذهبين مختلفين إما أن يكون أحدهما صادقاً والآخر كاذباً وإما أن يكونا جميعاً كاذبين والحق غيرهما جميعاً وإما أن يكونا جميعاً يؤديان إلى معنى واحد هو الحقيقة ويكون كل واحد من الفريقين القائلين بذينك المذهبين قد قصر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية فوقف دون الغاية ووصل أحدهما إلى الغاية وقصر الآخر عنها فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة.
وقد يعرض الخلاف أيضاً في المعنى المبحوث عنه من جهة اختلاف طرق المباحث وإذا حقق البحث وأنعم النظر ظهر الاتفاق واستقر الخلاف.

ولما كان ذلك كذلك وكانت حقيقة هذا المعنى مع اطراد الخلاف بين أهل النظر المتحققين بالبحث عنه على طول الدهر ملتبسة وكيفية الإبصار غير متيقنة رأينا أن نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بغاية الإمكان ونخلص العناية به ونتأمله ونوقع الجد في البحث عن حقيقته ونستأنف النظر في مبادئه ومقدماته ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات ونميز خواص الجزئيات ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس ثم نرقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج
ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات.
وما نحن مع جميع ذلك برآء مما هو في طبيعة الإنسان من كدر البشرية ولكنا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانية ومن الله نستمد المعونة في جميع الأمور.



إن ما يأخذ بالألباب أنَّ هذا العالم الجليل التزم التزاماً كاملاً بهذا المنهج في أعماله كما ألزم به نفسه في مقدمة كتابه.
يقول إبن أبي أصيبعة عن ابن الهيثم في كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء:

"أقول ونقلت من خط ابن الهيثم في مقالة له فيما صنعه وصنفه من علوم الأوائل إلى آخر سنة سبع عشرة وأربعمائة لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، الواقع في شهور سنة ثلاث وستين الهلالية من عمره ما هذا نصه، قال إني لم أزل منذ عهد الصبا مرتاباً في اعتقادات هذه الناس المختلفة وتمسك كل فرقة منهم بما تعتقده من الرأي، فكنت متشككاً في جميعه، موقناً بأن الحق واحد، وأن الاختلاف فيه إنما هو من جهة السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية، انقطعت إلى طلب معدن الحق، وجهت رغبتي وحدسي إلى إدراك ما به تنكشف تمويهات الظنون، وتنقشع غيابات المتشكك المفتون، وبعثت عزيمتي إلى تحصيل الرأي المقرب إلى اللَّه جل ثناؤه، المؤدي إلى رضاه الهادي لطاعته وتقواه، فكنت كما قال جالينوس في المقالة السابعة من كتابه في حيلة البرء يخاطب تلميذه لست أعلم كيف تهيأ لي، منذ صباي، إن شئت قلت باتفاق عجيب، وإن شئت قلت بإلهام من اللَّه، وإن شئت قلت بالجنون، أو كيف شئت أن تنسب ذلك، أني ازدريت عوام الناس واستخففت بهم، ولم التفت إليهم، واشتهيت إيثار الحق وطلب العلم، واستقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا أشياء أجود ولا أشد قربة إلى اللَّه من هذين الأمرين،
قال محمد ابن الحسن فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات، وأنواع علوم الديانات، فلم أحظ من شيء منها بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجاً، ولا إلي الرأي اليقيني مسلكاً مجدداً، فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية، وصورتها الأمور العقلية، فلم أجد ذلك إلا فيما قرره أرسطوطاليس من علوم المنطق والطبيعيات والإلهيات، التي هي ذات الفلسفة وطبيعتها…."

لم يكن ابن الهيثم العالم المسلم الوحيد الذي أُعجب بعلوم اليونان ولكن كان واحداً من كثيرين منهم ابن رشد وابن سينا و الفارابي والكندي والخوارزمي وجابر بن حيان وغيرهم آخرين.
والأن لنأخذ خطوة إلى الوراء ولننظر إلى الصورة الكلية:
ولفهم تلك الصورة الكلية لابد من فهم الوضع العالمي لذلك الزمان لكي نفهم تأثير الإسلام على ذلك الوضع.
كان اليونانيون قد بدأوا شيئا من التفكير العلمي لمواجهه التفكير الأساطيري الذي كان سائداً في زمنهم حوالي ألف سنه قبل ولادة المسيح عليه السلام.
وورث الرومان طريقه التفكير هذه ولكن ومع تنصر الدولة الرومانية حدث صراع شديد بين النصرانية والفلسفة اليونانية كانت نتيجة هذا الصراع مدمرة للامبراطورية الرومانية.
في بدايه هذا الصراع انتصرت النصرانية عندما تنصر الإمبراطور الوثني قسطنطين في القرن الرابع الميلادي ثم أصبحت أوروبا كلها نصرانية في وقت قصير بعد ذلك.
وبحلول عام 410 م تعرضت روما لأولى غزوات البرابرة الذي أتو من منغولية وسيطروا على أوربا كلها وأعادوها إلى قرون الظلام خلال قرن من الزمان.
في ذلك الزمان نفذت النقود كوسيلة للتبادل التجاري وعاد الناس إلى تبادل البضائع . ساد الإقطاع نواحي الحياة. تهاوت المعرفه لعدم وجود وقت للقراءة وأصبح الناس جاهلين بماوراء جدران بيوتهم. توقفت الفنون والفلسفة والحوارات.
لم يعد هناك وجود لحكومة وظيفية فعالة. حكم القوي الضعيف وتجهـّز الأمل للرحيل عن الإنسان لأن الإنسان نسي الأمل.
في تلك الأحوال الحالكة وفي عام 570 للميلاد ولد الرسول الكريم محمّد علية الصلاة والسلام وفي عام 610 للميلاد أرسل الله محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام للإنسانية ليخرجها من الظلمات إلى النور. وأنزل الله عليه القرآن وفي فترة وجيزة تقدم المسلمون في مجالات العلوم وطوروا طرائق جديدة للتفكير اعتماداً على هدي القرآن والسنة.
وبحلول عام 900 م كان للمسلمين قصب السبق في كافة ميادين العلوم.
ترجم المسلمون خلال ذلك أعمال اليونان إلى العربية ثم نقلوها و أضافوا عليها و حذفوا منها . ومن ثَمَّ تلقت أوربا هذا النتاج و نبت عليه نهضتها فيما بعد.
بدأ انحدار المسلمين في القرن الخامس عشر الميلادي رغم أن فتح القسطنطينية على يد محمّد الفاتح حدث في نفس القرن عام 1453 م.
حدث هذا الانحدار رغم أن المسلمين كانوا لا يزالون يملكون بعض زمام القوة ولكن طريقة تفكيرهم تدهورت ولم يعد هناك تفكير حر أو أفكارٌ خلاقة تدفع بالمجتمع إلى الأمام. ووصل الاجتهاد إلى أدنى مستوياته رغم أنه لم ينقطع.
وعزف المسلمون عن تطوير صناعة البارود خوفاً من تأثيرها المدمر على عدوهم " الإنسان".
واعتقدوا أن الرحمة للعالمين تتناقض مع إعداد العدة و امتلاك أحدث العدد العسكرية و هذا ما هيأ الأجواء لفقدان القوة المنظم و الذي تظاهر بانعدام الجاهزية العسكرية لمواجهة القوة الغربية التي كانت بدأت بالبزوغ على الأفق.
بهذا ابتدأ المسلمون خروجهم من التاريخ . و كما يقول جورج أورويل في روايته 1984 "إنه من الطبيعي أن تاريخ الحضارة هو بشكل كبير تاريخ السلاح".
في عام 1455 اخترع غوتنبرغ آلة الطباعة المتنقلة. بدأ استعمال هذه الألة فورا في أوروبا. وبدأوا بالبحث عن الكتب القيمة الجديرة بالطباعة بآلتهم الجديدة. وبعد طباعة بعض الكتب باللغة اللاتينية وأولها الكتاب المقدس التفتوا فوجدوا علوم اليونان كانت موجودة حولهم ولكن باللغة العربية في مؤلفات ابن سينا والفارابي وغيرهم. وهذا ما خلق مشكلة لأن أحرف الآلة الجديدة كانت الأحرف اللاتينية مما اضطر الأوروبيون إلى صنع أحرف عربية معدنية و خلال مئة عام من الآلة الأولى طبع كتاب القانون في الطب لإبن سينا بالأحرف العربية و انتشر في أوروبا و ترجم بعد و ضوح أحرفه إلى اللاتينية و دُرِّس في كثير من جامعاتها. وكان ذلك نصيب كتب عربية كثيرة أخرى.
فانتقل التراث العلمي العربي الإسلامي إلى الغرب من أوسع الأبواب عن طريق المطبعة.
في ذلك الوقت كان المسلمون يتهيبون الطباعة دون سبب منطقي .و استمر هذا لثلاثمائة عام. مما أدى إلى تدهور فكري خطير. وهذا ما فتح الباب للمسلمين للخروج من المعرفة.
وفي عام 1492 م خسر المسلمين الأندلس و كسب الغرب أميركا. وبنهاية القرن الخامس عشر خسر المسلمون السيطرة على الهند وعلى حركة التجارة عن طريق البحر التي كانت تصل الهند بأوروبا. و هذا ما فتح الباب للمسلمين للخروج من الجغرافيا.
وبدون تاريخ أو جغرافيا أو إنتاج للمعرفة خرج المسلمون من الحضارة و أغلقوا الباب ورائهم بل أوصدوه جيداً.
وبحلول القرن السادس عشر تقزم النتاج العلمي للمسلمين إلى ترداد ببغائي للعلوم السابقة دون أي إبداع جديد.
وأصبح فهم القران و كنوزه رهينة لفهم وتفسير العلماء السابقين .
وفي نهاية القرن الثامن عشر بدأت صحوة المسلمين و لكن لبس على صيحات علمائهم بل على طرق نعال نابليون على أبوابهم .
وخرج المسلمون لمواجهة جيش نابليون بسيوفهم وخلال مئة سنة صحت الدولة الدولة العربية و الإسلامية الواحدة تلو الأخرى على أصوات نعال أوروبية عسكرية مختلفة.صحت ليبيا على قرع نعال الجنرال غرزياني وفي سوريا على صوت نعل غورو وهو يضرب قبر صلاح الدين الأيوبي عام 1920 م قرب الجامع الأموي الذي انطلقت منه حملات الفتح الإسلامي الأول وكانت نتيجة هذه الصحوة مواجهة جديدة بين الشرق و الغرب.
فلم يعد ينظرإلى المسلمين على أنهم جزء من طريقة التفكير العلمية الغربية التي كانت في وقت من الأوقات شريكاً أساسيا في تطوير العلوم بل تغير الجو العالمي إلى"المصالح".
تحول العالم الغربي إلى مصا لح غربية حيث توفرت كل الموارد الطبيعية و الأيدي العاملة الرخيصة. بل أكثر من ذلك فقد تحول العالم العربي خلال المئة سنة الماضية إلى حقل تجارب لأعتى و أحقد الأسلحة الغربية الفتاكة.
أدى هذا الخلل العظيم في القوة العسكرية و التقدم العلمي إلى تفسير ذلك أن الإسلام لم يعد قادرا على الدفع بالأمة إلى الأمام بل وصل إلى هذا إتهام الإسلام أنه وراء تخلف المسلمين و ذلك شيء طبيعي فعند تخلخل الواقع فإن الناس ستفهم القيم و المثل التي يقوم عليها هذا الواقعز
وفي تلك اللحظة ولدت الحداثة العربية في أوروبا.ثم ما لبثت الحداثة أن عادت من أوروبا ممثلة بأذكى العقول العربية التي كانت قد تعلمت في أرقى معاهد أوروبا.
وبنهاية القرن التاسع عشر و بحلول القرن العشرين كانت المعركة بين الحداثة و الأصالة قد وصلت إلى أشدها. وظهر ذلك جليا في نموذج المناظرات بين مصطفى صادق الرافعي و طه حسين. كان الموضوع الرئيسي لهذه المناظرات هو مصداقية التراث الإسلامي بأكمله كونها تعتمد على مصداقية وجود الشعر الجاهلي .ولكن خلال تلك المناظرات ضاعت كثير من المفاهيم في خضم تلك المعارك .لم يعد الناس يهتمون بالحقيقة بل بالقوة . ويكرر التاريخ نفسه ولكن فقط السذج هم من يفشل أن يستوعب ذلك. وصل أولئك الذين يدعون أنهم يريدون تحرير العقل العربي إلى السلطة كما و صل المعتزلة إليها قبل 1000 عام.
صادر محرروا العقول حق الناس في حرية التفكير كما صادر قبلهم المعتزلة حق أحمد بن حنبل حرية السؤال عن دليل على دعوى خلق القرآن. لم يعد باستطاعة محرروا العقول تحمل أصوات المعارضين وكان الحل هو السجن لأولئك المعارضين كما عذب المعتزلة أحمد بن حنبل وكل من عارضهم. واصل الغرب خلال ذلك عرض نفسه كرمز للحرية لأن محرري العقول ذوي الأصل الشرقي كانوا يقومون بدورهم على أتم وجه و بحلول نهاية القرن العشرين خرج الأصوليون الإسلاميون من السجن و انتقلوا إلى الغرب .كان كل ما اصطحبوه معهم مجموعة من العادات والقيم العتيقة عمرها 1400 سنة.
ولدهشة الغرب فقد ظهر أن القيم و المثل بإمكانها أن تتجاوز الزمان و المكان و الأشخاص.
بدأ المسلمون رحلة العودة إلى التاريخ و الجغرافيا و العلم إيذاناً من هؤلاء بالعودة للحضارة من جديد.
ولكن هناك شئ واحد جاء به أولئك المغتربون وهو كراهيتهم لنظام المصالح.
كان هذا النظام يعني لهم أن أهليهم في الشرق مازالو ضحايا الظلم أي مازال الشرق يقف حجر عثرة في وجه التقدم للحضارة ولكن هذا النظام يعتبر اليوم العامود الفقري للغرب الجديد. نظام يضحّي بالأخلاق في سبيل المصا لح.

المواجهة العربية الغربية:
كانت هذه المواجهة الجديدة في نهاية القرن العشرين تشكل نوعا ما رداً على المواجهة التي حدثت في بدايات نفس القرن ولكن كانت هناك فروق بين المواجهتين تستحق الذكر.
في المواجهة الأولى كان معظم الطلاب العرب الذين ذهبوا للغرب من أذكى وأغنى وأرقى الطبقات والذين ذهبوا للغرب بغيه التحصيل العلمي العالي.
وكان بقاؤهم في الغرب لفترة مؤقتة. وبالمقابل فقد كان الطلاب الذين هاجروا في الموجة الثانية من الملاحقين في بلادهم والذين انقطعت بهم سبل العيش الكريم. وغادر معظم أولئك صوب الغرب بحثاً عن الحرية والمال. وبسبب ذلك فإن إقامتهم في الغرب كانت دائمة لأن الفقر وانعدام الحرية استمر في بلدانهم. المواجهة الأولى استوردت المفاهيم والقيم من الغرب فيما صدرت المواجهة الثانية مفاهيماً وقيماً أخرى له. هذا التبادل للقيم والمفاهيم لم يساهم في رأب الصدع بين الغرب والشرق بل على العكس ساهم في اتساعه وذلك للبعد الكبير بين منظومة المصالح الغربية ومنظومة القيم العربية.
تغير شكل تبادل المفاهيم في القرن الحادي والعشرين بسبب ثورة الإتصالات. لم يعد الناس بحاجه للسفر لاستيراد أو تصدير المفاهيم بل أصبحت المفاهيم قادرة على السفر عبر الألياف الضوئية للنقل إلى أي ملتقى حيث توجد الشبكة العنكبوتية ومهما يكن من أجل تلقي أي مفهوم عبر تلك الشبكة كان لابد للمتلقّي أن يكون لديه الوقت اللازم لقراءتها وفهمها وبهذا أصبح توفر الوقت شرطاً لابد منه للتقدم الثقافي والفكري.
ولأن معظم وقت الناس أصبح اليوم مستهلَكاً في العمل لسد لقمة الجوع وللتسلية لغرض التسلية فقد انعدم الوقت اللازم تقريبا لإنتاج وتطوير المفاهيم. ولهذا قد توقف التقدم الثقافي تقريباً بين الشباب العربي الذي يشكل معظم الأمـّة.
وبما أن العلم والتربية والمعرفة يشكِّل حجر الزاوية في الأمم المتقدمة فإن حل مشكلة الجهل والأميـَّة يصبح شرطاً لابدَّ منه لأي نهضة نريدها. ولأن الوقت أصبح شرطاً لابد منه لتحصيل المعرفة والعلم فإن الحاجة إلى توفير الوقت أصبح ضرورة لابد منها.
وأصبح مفهوم الوقت واستخدامه ضرورة لابد منها لأي شاب يريد تحقيق أحلامه.
وأصبح استثمار الوقت في تحصيل المعارف شرط لابد منه لرقي الشباب لأن أوقات الشباب غالية .إن المتأمل في الجيلين من الشباب الذين هاجروا للغرب يجد أنهم أصبحوا في أعلى الدرجات بسبب استثمار الوقت.
إن هذا الاستثمار للوقت هو الذي سيبني الشباب الذي سيقوم بعملية النهضة.
إن وظيفة من يريد أن يساعد الشباب على هذا هو توفير المعلومة لهم كي يستطيعوا تحصيلها في أقل وقت ممكن عندها فقط سنستطيع أن ننتج المعلومات