الاثنين، 11 أكتوبر 2010

الإسلام مشكلة أوباما

الإسلام مشكلة أوباما
د. طارق أبو غزالة
27-8-2010

خرج علينا القس غراهام الابن هذا الشهر ومع احتدام النقاش حول بناء المركز الاسلامي في مدينة نيويورك و مناصرة أوباما لحق المسلمين الدستوري في بناء هذا المركز وما تلا ذلك من هجوم اليمين المتطرف في أمريكا على أوباما واتهامه بأنه مسلم، خرج علينا القس الابن بمقولة ان "مشكلة أوباما تكمن في انه ولد مسلما لأن أباه مسلم"
القس غراهام ليس قساً إنجيلياً عادياً من قساوسة أميركا, ولكنه رئيس جمعية بيلي غراهام الإنجيلية ورئيسها التنفيذي ورئيس منظمة الإغاثة المسيحية العالمية , ووالده هو القس الشهيربيلي غراهام الذي كان مستشاراً روحياً لاثني عشر رئيساً أمريكيا ًبدءاً بهاري ترومان و انتهاء بأوباما.
لذا فإن ما يقوله القس غراهام الإبن له يكتسب أهمية كبيرة كونه يمثل شريحة كبيرة و مؤثرة في مسيحي أمريكا.
وبالعودة إلى كلام القس غراهام فنحن لا نعلم ما المشكلة في أن يكون أوباما مسلما أو غير مسلم ولكن الذي نعلمه أنه لم يشفع للرئيس أن أباه المسلم هجره و أمه وهو ابن سنتين. و لم يشفع له أن أمه مسيحية أمريكية. كما لم يشفع له أنه نشأ في كنف جده و جدته لأمه المسيحيين. ولم يشفع له أنه درس في مدارس أميركا العلمانية و جامعاتها و تخرج منها محامياً رفيعاً يؤمن بأميركا و مُثُلِها. كما لم يشفع له أنه انتخب سيناتوراً عن ولاية إلينوي عام 2004 وأنه أقسم يمين الولاء لمنصبه و يده على الكتاب المقدس. و لم يشفع له أنه انتخب رئيساً لأمريكا عام 2008 و أقسم يمين الولاء مرة أخرى لمنصبه و يده على الكتاب المقدس أمام رئيس المحكمة الدستورية العليا و باقي العالم.
لم يشفع للرئيس أوباما أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية و أنه استمر في حربين ضد بلدين مسلمين (أفغانستان و العراق) و لم يف بوعده بإغلاق معتقل غوانتانامو المخصص للسجناء المسلمين.
لم يشفع للرئيس مساندته لاسرائيل في كل طلباتها من الفلسطينين والعرب ووقوفه معها بعد فضيحة مهاجمة وقتل تسعة من الاتراك المسلمين الذين جاؤوا في قافلة الحرية عزّلاً لفك الحصار عن غزة المحاصرة. لم يشفع له كل ذلك, فالمشكلة هي انه ولد مسلماً.
فإذا كان أحد كبار القساوسة ينظر إلى الرئيس أوباما أن لديه مشكلة و هي أنه ولد مسلماً فكيف ينظر القساوسة إلى كل مسلم سواء ولد مسلماً و بقي على إسلامه أو ولد مسلماً ثم بدل دينه؟
ما سر تلك النظرة "المشكلاتية" تجاه كل من ولد مسلماً و لو كان رئيساً مخلصا للولايات المتحدة الأمريكية؟
و إذا كانت تلك مشكلة أوباما فهل سيفكر مسلم أمريكي يوماً أن يترشح لمنصب رئيس البلاد؟ أليست هذه رسالة إلى كل من ولد أمريكياً مسلماً أن لا تحلم بأن تكون يوماً رئيساً لنا فمشكلتك أنك ولدت مسلماً و لو تنصرت. أليست تلك رسالة مفادها و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى و لو كنت أوباما؟
ما هي المشكلة إذاً؟ لماذا لدى أوباما "مشكلة؟
إن تحليل الأمر ليس بالبسيط و يعود تاريخه إلى ألف سنة خلت. إلى بدايات الألفية الثانية و نهاياتها.
ففي بدايات الألفية الثانية و في عام 1096 للميلاد بدأت أولى الحملات و الحروب الصليبية على بلاد المسلمين. و الذي يقرأ أسباب الحملة سيجد أن جزءاً كبيرأ من ذلك يعود إلى نظرة الاستعلاء و التكبر. فالهدف المعلن للحملة و الذي التفت حوله الجماهير الأوربية كان تخليص موطن المسيح (عليه السلام) من نجاسة المسلمين. ولا يدل ذلك إلا على نظرية الاستعلاء في نفس الأوربي المسيحي تجاه كل من ليس كذلك و لو كان مسيحياً شرقياً.
أما في نهايات الألفية الثانية فقد بدأ عصر الاستعمار الغربي للشرق. بدأت بذور ذلك العصر برحلات الاستكشاف الغربية التي كانت تهدف إلى الالتفاف حول طرق التجارة العالمية بين الغرب و الشرق و التي كانت آنذاك تحت سيطرة المسلمين. و بذلك اكتشف كولومبوس أميركا و اكتشف فاسكو دو غاما رأس الرجاء الصالح. و كانت نتيجة اكتشاف كولومبوس إبادة 13 مليونا من السكان الأصليين لقارة أميركا (الهنود الحمر) و من ثمّ استعباد ملايين السود من قارة أفريقيا ليقوموا بخدمة العالم الجديد.
أما نتيجة اكتشاف فاسكو دو غاما فكانت سلخ الهند من المسلمين و استعمارها و السيطرة عليها, وبذلك بدأ عصر التفوق العسكري للغرب ضد الشرق. منذ ذلك التاريخ لا يسمح الغرب للشرق العربي الإسلامي بأي تفوق عسكري و كل من تراوده نفسه بسلوك سبيل التطور و التفوق العسكري يضرب ويباد وخير مثال مصر أيام محمد علي باشا و العراق أيام صدام حسين.
بسقوط المشرق العربي و الإسلامي تحت الاحتلال الغربي الاستعماري في القرن التاسع عشر و العشرين بلغ الاستعلاء والتكبر ذروته. وكان يغذي هذا الاستعلاء و التكبر حالة التخلف الشديد التي وصل إليها المسلمون في كل مكان.
وانتقلت حالة التكبر تلك إلى وسط العالم العربي الإسلامي عبر هجرة اليهود الغربيين أولا إلى فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل بمعاونة الغرب متمثلاً ببريطانيا العظمى في مرحلة التأسيس ثم انضمام فرنسا في مرحلة التسليح النووي و انتهاء بالولايات المتحدة في مرحلة التثبيت. انتقلت حالة التكبر و الاستعلاء من الغرب إلى اسرائيل متمثلاً بنظرة الاستعلاء التي يكنها اليهود الغربيون (الأشكيناز) على كل من سواهم من الشرقيين من مسلمين ومسيحيين بما في ذلك اليهود الشرقيون (السفارديم).
في مقابل ذلك, و بسبب الحروب و ما جرتها على العالم العربي من ويلات و كوارث بدأت هجرة معاكسة من الشرق إلى الغرب هاجر فيها مئات الألوف بل الملايين من العالم العربي إلى أوربا و أميركا.
بداية لم تشكل تلك الهجرة أي أثر يذكر على نمط الحياة الغربية بل معظمها ذاب في المجتمعات الغربية و لكن مع تنامي حالة العداء للغرب في العالم العربي وبدء الصحوة الإسلامية, بدأ المهاجرون العرب ينتقلون إليه وفي نفوسهم حاجز نفسي تجاهه. وبدأوا يتكتلون ولكن من دون انتظام في أي حياة سياسية في الغرب. وبدأ جدل كبير بين المسلمين الغربيين الذين أسلموا و إخوانهم الشرقيين عن جدوى الانخراط في الحياة السياسية و الاجتماعية في الغرب. و كان هذا الجدل غالباً ما ينتهي بإغلاق باب الانخراط السياسي و الاجتماعي تحت حجج الولاء و البراء و المفاصلة من دون أي اعتبارات لوضع المسلمين الغربيين والأخطار الناجمة عن الانعزال عن مجتمعاتهم الجديدة. وكثيرة هي الفتاوى التي كانت تطالب أي امرأة غربية اعتنقت الإسلام بالانفصال عن زوجها و أسرتها بل و مناصبتهم العداء لأنهم غير مسلمين.
ولكن لابد لكل فعل من رد فعل. ورد المسلمون الغربيون بفتح الجدل و النقاش مرة أخرى في مسألة الانخراط في الحياة السياسية و الاجتماعية في الغرب و في هذه المرة و بعد نقاش دام سنوات و بفضل المتنورين من علماء المسلمين الذين زاروا الغرب بل و عاشوا فيه بدأت طلائع الاجتهاد الجديد بالإثمار. ومع نهايات القرن العشرين و بدايات القرن الجديد بدأ المسلمون ينخرطون في كل مناحي الحياة الغربية التي توافق القيم الاسلامية. كانت حركة الانخراط هذه تسير قدما و بشكل حثيث رغم الصعوبات الداخلية و الخارجية التي واجهتها من المسلمين أنفسهم ومن المتعصبين الغربيين.
تمثلت الصعوبات الداخلية (داخل المجتمع المسلم الأمريكي) برفض البعض من المسلمين المهاجرين الانخراط في المجتمع الغربي بل و الإصرار على نقل عادات و تقاليد المجتمع الشرقي كما هي دون تبديل إلى المجتمع الجديد. وانتقلت عدوى رفض الانخراط هذه إلى بعض المسلمين الغربيين الذين ظنوا أن الشكل الإسلامي مقصور على الشكل الشرقي وأن لابد من ختم الشرق المسلم على كل قرارات أخيه الغرب المسلم قبل أن تصبح قابلة للتنفيذ. ولعلك أصبحت ترى في بعض الأحيان مسلماً غربياً لا يختلف شكلاً عن المسلم الشرقي بل ولا يختلف سلوكاً متمثلاً في الانعزال و تبني عقيدة الولاء و البراء ضد الجميع ممن ليسوا بمسلمين إلى درجة التحريض عليهم بل و الفتوى أحيانا بقتلهم بدعوى أنهم هم من انتخب القيادات الأمريكية التي كانت ماتزال داعمة لإسرائيل و تخوض حرباً في الصومال وتحاصر و تحارب العراق. وانتهى الأمر بتفجير سيارة تحت برج التجارة العالمي عام 1993 ودخول العلاقة بين المسلمين و باقي الأمريكيين منحى جديداً.
أما الصعوبات الخارجية (خارج المجتمع المسلم الأمريكي) فالمجتمع الغربي الأمريكي نفسه كان قد خاض داخلياً عدة حركات مواجهة بين الأنغلوساكسون القابضين على زمام السلطة والثروة و باقي الأعراق من إيطاليين و إيرلنديين و شرقيين (يابانيين و كوريين و صينيين) و زنوج وإسبان انتهت كلها بالإقرار بحقوق تلك الأقليات الدستورية دون نقصان و لو أن كل تلك الأقليات مازالت في حالة تأهب و توثب ضد أي انتهاك أو التفاف قد يقوم به أي طرف على تلك الحقوق التي انتزعوها انتزاعاً عبر صراع طويل.
وهنا تبرز أهمية العلاقة بين داخل المجتمع المسلم و خارجه في أميركا و تأثير ذلك على المجريات المحلية و الدولية. فعلى الصعيد الداخلي تنبه المسلمون إلى خطورة وضعهم وهشاشته صبيحة الحادي عشر من سبتمبر و الطائرات تختطف و تضرب و تدمر برجي مركز التجارة العالمي و الجدار الجنوبي الغربي لوزارة الدفاع الأمريكية. كان لابد للقيادة الأمريكية من الرد على تلك الهجمات الآثمة الشنيعة. وكان موطن الرد في عمق العالم الإسلامي. لذلك انتبهت القيادة السياسية إلى أهمية عدم المساس بالإسلام من ناحية المبدأ و عدم المساس بالمسلمين الأمريكين بشكل ثانوي و محاولة احتوائهم وعدم السماح باستهدافهم. و رغم كل محاولات الحكومة الأمريكية فقد تعرض المسلمون إلى حملات كراهية رغم أنها كانت الأقل في دول العالم الغربي. وزار الرئيس الأمريكي يومها جورج بوش المسجد مرتين و تكلم عن سماحة الإسلام وتكلم الكثير من ذوي المناصب الحكومية الفدرالية أن الإسلام ليس هو المستهدف في الحرب الجديدة على الإرهاب, بل وأنشأ لذلك إدارة خاصة في وزارة الخارجية الأمريكية لتلميع صورة أمريكا في العالم الإسلامي رئستها المستشارة كارين هيوز التي تربطها بالرئيس جورج بوش علاقة عمل حميمة. ولكن مع الكلام عن سماحة الإسلام بدأت حملة حكومية منظمة ضد المسلمين وبدأ الكونغرس وبتأثير من الإدارة الأمريكية بسن وتشريع قوانين جديدة ضد الإرهاب فصلت على مقاس المسلمين في أميركا سميت بقانون مكافحة الإرهاب الذي استهدف المسلمين و لكن طالت نتائجه كافة شرائح المجتمع وأصبحت الخصوصية الشخصية التي ميزت المجتمعات الغربية عموماً وأمريكا خصوصاً والتي كانت محمية بالقوانين سابقاً, أصبحت هذه الخصوصية تاريخاً يترحم عليه.
على صعيد آخر فقد رافق الحملة الحكومية على المسلمين حملة منظمة أخرى ولكن هذه المرة على مستوى الإعلام الأمريكي. هذه الحملة الإعلامية كانت عكس الحملة الحكومية ليست موجهة ضد المسلمين ولكن ضد الإسلام (لأن القوانين الأمريكية تمنع استهداف الأفراد والتشهير بهم بناء على عقائدهم وأي استهداف لمسلم خطاً في غير مكانه قد يترتب عليه نتائج قضائية و مالية كبيرة في حال رفع المسلمون الدعاوي ضد التشهير)
بدأت الماكينة الجبارة للإعلام الأمريكي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بالتهجم على الإسلام وثوابته على حذر واستحياء بادئ الأمر ثم اشتد هذا التهجم مع المحافظة على خطوط حمراء لا يتعداها ولكن و في الآونة الأخيرة تحول هذا التهجم الحذر إلى هجوم شديد سافر متسارع منظم وممول.كان أحد أسباب هذا الهجوم السافر على الإسلام هو الجهد و الإنهاك الذي أصاب المسلمين بسبب استهدافهم المنظم من الحملة الحكومية التي كانت تراقب مساجدهم و تحركاتهم الداخلية و الخارجية وتمنع بعضهم من الصعود للطائرات وتدس المخبرين بين صفوفهم ثم تعتقلهم و تزج بهم في السجون لسنوات طويلة بل و حتى لعقود و تتبع أرصدة أموالهم و مصارف زكاتهم و صدقاتهم. منع هذا الإنهاك المسلمين من الدفاع عن دينهم كيلا يشك بولائهم لبلدهم أمريكا.
هذه الحملة آتت أكلها أول الأمر فانكمش المسلمون و أحجموا عن الانخراط الجاد في الدفاع عن دينهم و أنفسهم اللهمّ إلا بعض الأفراد و المنظمات الإسلامية التي كانت تحاول جاهدة الحفاظ على مكتسبات مرحلة ماقبل الحادي عشر من سبتمبر والتي بدأت تتبخر و الحفاظ على كينونة المسلمين أنفسهم في أمريكا التي ينتمون إليها, هذه الكينونة التي أصبحت هي نفسها مهددة سواء من حيث استهداف الحكومة للمسلم لأنه شرير فطرة أو تصوير الإعلام لدينه بأنه شرير أصلاً. وانتهى الأمر اليوم بتصوير أي مسلم في مريكا أو خارجها بأنه شر محض وأن دينه شر محض. وليس أدل على ذلك من الحملة المسعورة التي قام بها بعض من أعضاء الكونغرس عندما علموا بوجود متدربين أمريكيين "مسلمين" في مكاتبهم.
تختلف إذاً هذه الحملة على المسلمين في أمريكا عن حملات استهدفت أقليات أخرى بأن الحملة على المسلمين استهدفت المسلمين و مايؤمنون به. أما الحملات على غيرهم فهي نوعان أما استهداف للٌأقلية نفسها و اضطهادها و إما استهداف لما يؤمن به الأفراد المستهدفون.
فاستهداف الإيطاليين و الإيرلنديين و الزنوج و اليابانيين و الصينين و الإسبان واليهود كلها استهدفت تشويه صورة أفراد هذه الأقليات دون تشويه ما يؤمنون به.
أما استهداف الأمريكين ذوي الميول الشيوعية في منتصف القرن العشرين من قبل السيناتور مكارثي فقد استهدف ما يؤمن به أولئك الناس دون تشويه انتماءاتهم العرقية و الدينية.
أما استهداف المسلمين في أمريكا اليوم فهو تشويه المسلمين و ما يؤمنون به و هذه هي الحالة الوحيدة التي تستهدف تشويه جماعة بشرية معينة و تشويه ما تؤمن به وهذه المرة الأولى التي يجري فيها ذلك في تاريخ أمريكا.
لم تستهدف الحملات السابقة إيمان الناس و دينهم من إيطاليين و إيرلنديين لأنهم يدينون بالنصرانية الدين نفسه لمعظم الأمريكين. ولم تستهدف معتقد الصينين و اليابانيين لأسباب أخرى أهمها أن البوذية والهندوسية ليست ديانة تبشيرية كالإسلام وليست منهج حياة ديناميكي يتجدد بتجدد الزمان و تبدل المكان, ولم تستهدف إيمان السود الأمريكيين لأن معظمهم اعتنق المسيحية. كما لم تستهدف الحملة ضد الشيوعية تشويه الناس لأن المتعاطفين مع الشيوعية في ذلك الزمان أتوا من كل أطياف المجتمع و لم يقتصروا على فئة دون أخرى فكان منهم الأبيض و الأسود و المسيحي و اليهودي.
وهنا تكمن معضلة أمريكا! هذه المعضلة تبدو كالدائرة المفرغة لا حل لها.
فاستهداف المسلمين وتشويههم و تشويه ما يؤمنون به انتهى إلى نتيجة غير متوقعة على الصعيدين الداخلي و الخارجي.
فعلى الصعيد الداخلي أدى هذا الاستهداف إلى استهداف المسلم الأبيض الأنغلوساكسوني و الإيطالي و الإيرلندي و الأسود و الإسباني و العربي و الهندي و الباكستاني وكل هؤلاء ينتمون إلى أقليات أخرى فيهم المسلم و غير المسلم و هذا يزرع بذور الانفجار داخل كل أقلية ويمهد لاصطفاف جديد. فالأقلية السوداء التي كانت على مر العقود متكاتفة بغض النظر عن أي اعتبارات او انتماءات أخرى إلى درجة تجعل الجنرال المحافظ من حزب الجمهوريين كولن باول الأسود يؤيد المرشح الليبرالي من حزب الديموقراطيين باراك أوباما الأسود على منافسه المحافظ مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين الأبيض. هذه الأقلية الآن مهددة بالانقسام بين أسود مسلم و أسود مسيحي ومهددة بنسيان الذاكرة الجمعية لهذه الفئة التي عانت ألوان العذاب والعبودية و الذل والاضطهاد بغض النظر عما يؤمنون به. كلنا شاهد القس مارتن لوثر كينغ الأسود في مناهضته للعنصرية و قد اصطف وراءه المسلمون السود.
وينسحب ذلك على باقي الأقليات و الأعراق. سينسى الإسبان معاناتهم واضطهادهم ونظرة التمييز ضدهم لأن الشرير فيهم هو الإسباني المسلم.
إن التمييز اليوم ضد المسلمين سيتغلغل إلى داخل المجتمع الأمريكي بكافة أطيافه وستأكل أمريكا أبناءها.
أما على الصعيد الخارجي فقد أدى استهداف المسلمين و تشويه دينهم إلى استقطاب شديد ضدهم في كل أرجاء العالم الإسلامي. فالذين أتوا ليحرروا أفغانستان و العراق من طالبان و صدام كيف لهم أن يكسبوا قلوب و عقول الأفغان و العراقيين والإعلام الأمريكي و حكومته يعرِّضون بالإسلام و المسلمين ليل نهار؟ وهل سيقبل أهل فلسطين بأميركا كويسط نزيه لحل قضيتهم مع اسرائيل التي تهتكت صورتها بسبب فظائعها بينما الإعلام الأمريكي و حكومته يستهزءون بالإسلام و المسلمين صباح مساء؟
أما على صعيد حلفاء أمريكا في العالم العربي و الإسلامي فهؤلاء سيكونون أول ضحايا هذا الاستهداف خاصة مع استنكاف هؤلاء عن محاولة صد هذه الهجمة على الإسلام والمسلمين وثانياً مع ظهور المعلومات التي تشير إلى استثمار كبير من أموال هؤلاء الحلفاء في ماكينة الإعلام الأمريكي. وكأن المال الإسلامي و العربي هو الذي يغذي حملة الكراهية على الإسلام والمسلمين. عندما يفيق المسلمون على هذه الحقيقة فأول ما يتوقع هو قطعهم لتلك اليد التي تزود ماكينة الإعلام الأمريكية بالمال اللهمّ إلا إذا أفاق الحلفاء وقطعوا المال أنفسهم قبل أن تقطع أيديهم. ليست هذه دعوة للتحريض على الحلفاء و لكنها محاولة قراءة ما قد يتكشف عنه المستقبل إن استمر اصطفاف الحلفاء مع أمريكا في الوقت الذي يصور الإسلام و المسلمون أنهم شر محض.
إن الصورة السابقة كانت أن أمريكا تدعم حلفاءها على شعوبهم في العالم العربي و الإسلامي. أما الصورة اليوم فهي أن حلفاء أميركا يدعمونها فيما تذهب إليه من استهداف و تشويه للإسلام و المسلمين و فرق كبير بين الصورتين.
الصورة السابقة احتملت اللبس بأن الأمر يقع في باب السياسة وأن دعم أميركا إنما هو دعم ضد أخطار كبرى تهدد المنطقة من إرهاب و قوى صاعدة على سلم النادي النووي. أما الصورة اليوم فلن تحتمل أي لبس لأن أي تشويه ضد الإسلام و المسلمين كان منذ فجر الإسلام خطاً أحمر لأن الإسلام يقارع الحجة بأختها أما قذفه والمسلمين بأشنع الألفاظ دون إتاحة الفرصة لهم للرد على الأقل فستعود على الجميع بأسوأ العواقب.
بعد كل ذلك لا بد من الإشارة إلى حالة التفاؤل التي سادت بين المسلمين داخل أميركا و خارجها مع قدوم أوباما إلى البيت الأبيض. هذا التفاؤل بدأ بالتآكل بسبب اشتداد الحملات على الإسلام و المسلمين داخل أميركا و خارجها بل قد تغير إلى حالة من التشاؤم و اليأس الذي سيؤدي دون شك إلى مواجهة لا داعي لها بين أمريكا و العالم و الإسلامي.
إن استنكاف الرئيس السابق بوش عن الإدلاء برأيه في مسألة المركز الإسلامي وسماحة الإسلام كما كان يفعل أيام رئاسته و ذهاب بعض أعيان إدارته إلى التهجم على المشروع علنا أو المطالبة بنقل المركز الإسلامي إلى مكان أبعد من المكان الحالي المزمع إقامته عليه كما ورد في مقالة في الواشنطن بوست بتاريخ 22-8-2010 بقلم كارين هيوز المسؤولة السابقة في إدارة بوش و المسؤولة آنذاك عن تحسين صورة أمريكا في العالم الإسلامي, إن هذا الاستنكاف لعله يشير إلى نفاق تلك الإدارة يوم أن نادت بتسامح الإسلام بينما هي تخوض حروبها في ذات العالم الإسلامي.
ليست المشكلة إذاً في الإسلام ولا في معتقد الرئيس أوباما سواء كان مسلماً أو غير ذلك و لكن المشكلة في عقلية الاستعلاء عند تلك الفئة من الناس التي تظن أن التاريخ يبدأ بها وينتهي وأن أرض الله الواسعة لا تسع غيرها.
أما الحل لتلك المشكلة فليس في نقل المركز الإسلامي بعيداً عن مكانه الأصلي و لكن الحل يكمن في وقف تلك الحملات المسعورة على الإسلام و أهله داخل أميركا و خارجها, ثم انفتاح العقول على الإسلام ومن ثمّ مد الجسور بين أولئك الذين يظنون أن المشكلة في الإسلام والمسلمين

One Christian man burning the Koran

One Christian man burning the Koran

Dr. Tarek Abou Ghazala
8th Sep 2010
September 11th 2010, is the 9th anniversary of the painful and heinous attacks which took place on America’s soil against citizens from all ethnic backgrounds and religious denominations in NY City and Washington.
However, this year, the 9th anniversary will take on a new and different level of hostility targeting the Koran and the religion of Islam, the religion of many Muslim Americans who were killed 9 years ago in the attacks.

In order to "....send a message to Radical Islam and tell them we will not tolerate their behavior," Rev. Terry Jones, the head of a small Dove outreach center Church in Gainesville, Florida, is calling for the “International Burn a Koran Day.”

As a Muslim American, this call deeply hurts me, not only because I believe in the Quran as a holy scripture and Last Testament from God to Mankind, but also because it shows how Rev. Jones is proceeding with his plans despite all calls on him from the wise of our nation and the world to halt this action.

I want to call on Rev. Jones to halt his action for a different reason, as all other reasons have come down not on deaf ears, but on perfectly normal ears which have been deafened by the loud and high pitched screaming of those calling for revenge and punishment of the Muslim Americans for their collective uncommitted crime.

I would like to sincerely ask Rev. Jones to halt this action because in the process of Burning the Quran, another process will take place, this time however, against the very Christian and Judaic faith.

Maybe Rev. Jones has never taken a deep and thorough look at the Quran, because had he done so, he would have noticed that in the process of burning it he will be burning passages relating authentic stories of the Biblical age.

By burning the Quran Rev. Jones will be burning lengthy and detailed passages relating the story of Jesus and his revered Mother Mary may peace be on them both. PBUT
He will be burning the third longest chapter of the Quran named after Mary's family, the Grandparents of Jesus "The Imrans" (27 pages) in which God exalts this family and elevates its status:
"God did choose Adam and Noah, the family of Abraham, and the family of 'Imran above all people," 003.033

He will also be burning a full 8 page chapter named after Mary the mother of Jesus:
"Relate in the Book (the story of) Mary, when she withdrew from her family to a place in the East." 019.016

He will be burning the Chapter of "The Table" named after the Table of food sent down to the disciples of Jesus to enjoy the “Last Supper” as a sign testifying to his truth: "Said Jesus the son of Mary: "O God our Lord! Send us from heaven a table set (with viands), that there may be for us - for the first and the last of us - a solemn festival and a sign from thee; and provide for our sustenance, for thou art the best Sustainer (of our needs)." 005.114

This is the same famous “Mensa Christi” table which has been artistically drawn inferring the "Last Supper" with Jesus at the center of the table surrounded by his disciples.

Rev. Jones will be burning complete chapters named after Abraham (7p), Jonah (14p), Joseph (14p) , and Noah (1p) all revered biblical prophets.

The Reverend will also be burning the chapter of "The Cave" (12p) which relates the stories of many biblical events and heroes who fought tyranny with peace and dialogue:
018.013 We relate to thee their story in truth: they were youths who believed in their Lord, and We advanced them in guidance:
018.014 We gave strength to their hearts: Behold, they stood up and said: "Our Lord is the Lord of the heavens and of the earth: never shall we call upon any god other than Him: if we did, we should indeed have uttered an enormity!
018.015 "These our people have taken for worship gods other than Him: why do they not bring forward an authority clear (and convincing) for what they do? Who doth more wrong than such as invent a falsehood against God?

He will be burning the chapter of "The Prophets (10p) dedicated to the stories of biblical prophets and the chapter of “The Ants” (9p) dedicated specifically to the story of King Solomon and his powerful reign.
He will be burning the chapter of "The Romans" (6p) dedicated to celebrating the 7th century victory of the Roman Christian believers (Great Grandfathers of Pastor Jones) over the non-believers:
"The Roman Empire has been defeated- In a land close by; but they, (even) after (this) defeat of theirs, will soon be victorious-
With God is the Decision, in the past and in the Future: on that Day shall the Believers rejoice-" 030.2-4
And indeed, within a few years this promise from God came to pass and the Muslim believers rejoiced the victory of their Christian brethren over the non-believing Persians.
I am certain that Rev. Jones never read the Quran in its entirety but rather relied on Quranic scripture extracted out of context and provided to him by arrogant individuals who serve their own agendas of spreading hatred, animosity, and division in our society.
I believe Rev. Jones is sincere in his love for America and Americans, but has chosen the wrong path to express such love.
If he really is going to do so, didn’t Jesus himself command Christians to “love your enemy?” Jesus Christ would have never burnt the belief of others in his community, as this would not have pulled together the hearts, souls and mind of a people.
This rather causes deep divisions and drive sharp wedges into the very fabric of the nation.
I understand the anger Rev. Jones has against the attackers of September 11. However, with a simple analysis of that event, it is known today that none of those criminal cowards was a Muslim American. It is a known fact that all Muslim Americans condemned the attacks. And more over, all 57 Muslim countries condemned these attacks.
Muslims today understand that Rev. Jones represents a small minority and that the majority of the Christian world condemns what he is about to do.
But we have witnessed many times in history a small minority succeeding in pushing majorities to catastrophic events.
I hope this does not turn out to be one of them.

حضارة الجوال أم حضارة استخدام الجوال

حضارة الجوال أم حضارة استخدام الجوال
د. طارق أبو غزالة

منذ حوالي العامين كنت في ندوة طبية في دمشق خلال أعمال الجمعية الطبية السورية الأمريكية
وخلال الندوة التي تحدث فيها كبار أطباء سورية سواء المقيمين فيها أو المغتربين عنها ظلت أجهزة الجوال تطنطن و ترنّ على غيرهدى دون أي جهد من مستخدميها لإيقافها أو تحويلها إلى النمط الرجّاج فلما ازداد الأمر إلى حد كبير وأصبح مزعجاً للجميع التفت أحد كبار أطباء سورية إلى المحاضرين وكان يومها وزيراً للصحة وقال: هناك شيء اسمه حضارة الجوال ولكن هناك شيء أهم من ذلك وهوحضارة استخدام الجوال. يبدو أننا استوردنا الأولى دون الثانية!
بقيت تلك الكلمات ترن في أذني كرنين الجوالات وفعلاً لقد قال الأستاذ الدكتور كلمة حق.
وعادت بي ذاكرتي سنين للوراء خلال إقامتي في الولايات المتحدة الأمريكية حيث لا أذكر أبداً أن الجوالات كانت تئز أزاً خلال المحاضرات العلمية أو الثقافية أو اجتماعات العمل.
إن الجوال و استخدامه فلسفة تنبع من فهم المقاصد الأساسية للمجتمعات و الدول التي تستخدمه.
إن فلسفة الجوال في الغرب تختلف اختلافاً كبيراً عن فلسفته عند أمة العرب.
فالجوال هناك جهاز اتصال شخصي لحفظ واختصار الوقت فلا أحد يستطيع أن ينتهك وقتي
و يجرّدني منه بمجرد الاتصال على جوالي. فالغربي ليس تحت أي ضغط كي يرد على الجوال وإنما يرد عليه إن كان في ذلك حفظ لوقته.
أما عند أمة العرب فإن الجوال هو أداة لانتهاك حرمة الوقت وحرمة الصمت.
فكم من اجتماع عمل في بلادنا ينفجر فيه الجوال مغنياً أو منشداً أو داعياً أو حتى قارئاً للقرآن فيسارع صاحبه إلى إسكاته خنقاً أو شنقاً بسبب الإحراج و يتسبب ذلك بإضاعة وقت الجميع و قطع أفكارهم.
ثم حدّث و لا حرج عن قطع المغنين و المغنيات لصلوات المصلين والمصليات عبر أثير الجوالات. ولكن في تلك الحال لا يستطيع المصلي أن ينقض على الجوال ليشنقه. بل يبحث جاهداً و بصمت عن زر الإسكات في جيبه بينما الإمام و جموع المصلين في حالة تذمر لا يستطيعون حتى الالتفات لنهر ذلك المزعج وليس لهم إلا تدبر قول الله تعالى "والكاظمين الغيظ"!
إن إنهاء الاجتماعات دونما مقاطعة يوفّر على الأمة أوقاتاً ثمينة لا غنى لها عنها. هذه الأوقات تضيع عندنا يمنة و يسرة و دون حساب و كأن الله أعطانا الوقت مفتوحاً نتصرف به كيف نشاء. أن الأمر عكس ذلك. فالوقت اليوم هو أغلى ما يملكه الإنسان, إذ به يتعلم وينال الشهادات, و به يعمل الصالحات و هو مطية للآخرة التي يتفاضل فيها الناس بكم أنفقوا من أوقاتهم في هذه الدنيا في العمل الصالح, فمن يعش يوماً في الدنيا زيادة على آخر يفضله يوم القيامة بمقدار عمل ذلك اليوم.

أما عُمْر الجوال في الغرب فهو إلى أن يتلف أو يضيع أو ظهور تكنولوجيا جديدة تعين على قضاء الأعمال وتوفير الأوقات. وأستطيع أن أقول إن وسطي عمر الجوال في الغرب هو بضع سنين قبل تغييره. أما عمر الجوال عندنا فهوإلى أن يتغير شكله أو تصدر له إكسسوارات جديدة أو عندما يغير الزملاء و الزميلات جوالهم فأشعر بضغط الأنداد فأستبدل جوالي ولعل ذلك يحدث خلال بضعة أشهر من شرائه.

أما حضارة الجوال عندنا فتعني أن ننفق المال كي نأتي بآخر الأغاني و الألحان ويتم ذلك بالدعاية لها عبر الفضائيات بأن يتصل المرء بأربع أرقام تختلف حسب بلد المتصل ثم يتم إرسال النغمة المرادة بعد اقتطاع ثمنها من المتصل وبشكل مماثل ترسل أخبار الأندية والنجوم و العالم إلى المشترك وكأن هذا المشترك ممن يرسمون استراتيجيات العالم و يحتاج إلى معرفة كل الأخبار العاجلة حتى يجيش الجيوش و يرسل الوفود ويستقبل الرسل.
أما الاستخدامات الحضارية للجوال عندنا فهو استخدام الجوال كبطاقة صوتية انتخابية يدلي فيها المتصل بصوته في قضايا الأمة المصيرية كانتخاب بطل الغناء أو ملكة الجمال أو الشاب الألطف وما إلى ذلك مما لا يسمن و لا يغني من جوع بل هو هدر للمال والعقل والوقت وهي من المقاصد العليا والأهم من مقاصد شريعة الإسلام.
لقد طغى الجوال حتى على أخصّ الخصوصيات. ولا زلت أذكر منذ بضعة أيام مريضة في عيادتي عمرها اثنان وستون عاماً ومعها ابنها شاب في أواخر الثلاثينات تركها و غادر الغرفة عدة مرات ليرد على جواله وينهي تجاراته بدل الاهتمام بصحتها وعافيتها. و لا أدري هل تركته هذه الأم يوم كان وليدا يبكي وذهبت ترد على الجوال؟! وهل تفعل الأمهات الجدد ذلك في أيامنا هذه؟
ولا زلت أذكر أيضاً رجلاً آخر جاء بزوجته إلى المطعم و أجلسها مواجهة الحائط بدل أن تجلس بمواجهة النافذة لترى نافورة جدّة الجميلة وإذا به يتكلم طوال الجلسة وأنا أظنه يتكلم معها وإذا بالأخ كان يتكلم بالجوال طيلة الوقت عبر سماعة صغيرة في أذنه ولم يكلّم زوجته إلا دقائق معدودة بين المكالمات الطوال!
أما المظاهر الأخرى لامتهان العقول في استخدام الجوال فهو تلك الرسائل القصيرة التي تأتي
و تطلب منك أن ترسلها إلى عشرة آخرين و أن لا تبخل بمالك عن نصرة الدين وكأن الدين ينتصر بجحافل الرسائل عبر الأثيرو ليس بإطعام المسكين و اليتيم و الفقير.
ألم يأن الأوان كي نستخدم الجوال بشكل حضاري يخدمنا في أعمالنا فيوفر لنا الوقت كي نقضيه مع أهلنا وأحبائنا و كي ننفق الوقت في البناء و التشييد لا الكلام فيما لا يفيد؟
إن الذي ينفق 100 ريال شهرياً على مكالمات الجوال يعني أنه ينفق ثلاثة أضعاف ذلك من الدقائق أي حوالي 300 دقيقة أي 5 ساعات شهرياً. أما من ينفق 200 ريال فذلك يعني إنفاق 10 ساعات شهرياً. وعشر ساعات تعني 1.2 يوم عمل شهرياً.
إن الجوال هو أداة صممت كي تخدم الإنسان ولم تصمم كي يخدمها الإنسان بالزينة والإكسسوارات والنغمات والألوان.
لكم أحترم الذي يمتنع عن الرد على مكالمة ما لأنه لم يتم عمله بعد أو لأنه مازال يعالج موضوعاً هاماً لا يحتمل انقطاعاً.
ولكم يجب أن تكون نظرتنا عكس ذلك للذي يردّ على جواله الشخصي و نحن نقف أمامه منتظرين أن ينهي مكالمته الثالثة كي يتكرم علينا بالتوقيع على حاجتنا!
وهنا سؤالي لعلماء الدين: لو أنني أعطيت هذا الموظف عشر ريالات فمزقها هل يغرمها و يجب عليه إعادتها إلي؟ الجواب والله أعلم نعم!
وهنا السؤال الثاني لعلماء الدين: لو أني أعطيت هذا الموظف عشر دقائق من و قتي فأهدرها. هل يغرمها و يجب عليه تعويضي عن وقتي المهدور مالاً أو متاعاً؟ إن الإجابة على هذا السؤال ليست ترفاً فكرياً بل أضحت ضرورة ملحة لأمة تريد النهوض فتجد من يضيع الوقت اللازم لهذا النهوض.
يجب معاملة الوقت كالحياة أو المال يغرم من يتلفه أو يضيعه.
إن أمة العرب فيها أعلى نسبة من الشباب في العالم. و هذا يعني أن فيها كمية هائلة من الوقت جاهزة للاستثمار خلال الأعوام الأربعين المقبلة. إن المحافظة على وقت الشباب و توجيهه إلى العمل الصالح و البناء الفردي و الجماعي أصبح أمراً لا مفر منه, فإما أن نحسن استخدامه أو فلا نلومنّ إلا أنفسنا

كيف غادر المسلمون الحضارة.

كيف غادر المسلمون الحضارة.
د. طارق بن زياد أبو غزالة

لو أنك سألت مفكراً من المفكرين الغربيين من قائل العبارة التالية:"لا يمكنك أن تقف في نفس النهر مرتين"؟ فستكون الإجابة "هرقليطس"ولو سألته ماهي الفكرة الرئيسة لمؤلفات كل من أفلاطون وأرسطو وشكسبير ولوك ووليم جيمس وهيغل وماركس.... فسيكون الجواب موحداً نوعاً ما.
إن هذه الوحدة النوعية في الإجابة تدل على أن هناك نظاماً فكرياً يحكم العالم الغربي وخاصةً الدوائر الفكرية العليا التي ترسم للمجتمع سياساته عموماً.

إنّ مشكلة العالم الإسلامي ذات شقين:
أولاً: نحن المسلمين لدينا فكرة قد تكون غير صحيحة عن مفكري الغرب وكثيرٌ من الدراسات الإسلامية الفكرية تعتبر نظرية المؤامرة ركناً أساسياً في صياغة خطابها للناس. فكارل ماركس مثلاً متآمرٌ على الإسلام فهو جزء من نظرية المؤامرة والتي تتضمن فرويد ودارون . وكثيراً ماتقدم أفكار ماركس على أنها مرتبطة بأ فكار فرويد ودارون رغم أن ماركس كان متأثراً على حدٍ كبير بنظرية هيغل التي تتحدث عن تقدم التاريخ والتي استعملها ماركس للتنبؤ بنهاية التاريخ بوصف أن الشيوعية هي أهم وآخر مراحله.
وعلى مستوى آخر يوصف كثيرٌ من مفكري عصر النهضة الأوروبية بأنهم ضد الدين رغم أن كتاباتهم كانت بالأساس موجهة ضد سلطة الكنيسة في القرون الوسطى.
هؤلاء المفكِّرين يُعتبرون في الوعي الإسلامي جزءاً من نظرية المؤامرة لتحطيم الدين أو للقضاء على عبادة الإله .
ولكي يكون المرء منصفاً يجب التبيين أن كثيراً من هذه الكتابات الغربية لم تكن ضد الله بقدر ما كانت ضد سلطة الكنيسة على العقل والتي كانت تنتشر في طول أوروبا وعرضها.

ثانيا: نحن المسلمين لدينا فكرة مبهمة عن تراثنا بسبب الفهم الغامض عن كيفية تشكُّل هذا التراث.
إنَّ إحدى أهم مفاصل تشكل هذا التراث كانت في حركة الترجمة التي جرت خلال الدولة العباسية خلال حكم الخليفة المأمون. هذه الحركة حدثت بسبب احتكاك المسلمين بمؤلفات اليونان وترجمتها. كثير من علماء المسلمين اليوم يعتبرون حركة الترجمة هذه بدايه للانحدار الإسلامي وكثيراً مايستشهدون بكتابات أبي حامد الغزالي الكلاسيكية كالمنقذ من الضلال وتهافت الفلاسفة. وكثير منهم لايستطيعون تحمل ابن رشد لا لشيء إلا لأنَّه ردَّ على تهافت الفلاسفة بكتاب تهافت التهافت.
وبغض النظر عمن هو على صواب أو على خطأ فإن هذا الاحتكاك بين المسلمين واليونان لم يكن بالامكان تجنبه لإن الإسلام يأمر المسلمين بشكل لالبس فيه بالسير في الأرض والسفر بغية التعارف مع الشعوب والقبائل الأخرى لهذا فإن المسلمين كانو سيحتكـّون باليونان عاجلاً أو آجلاً. وهذا الاحتكاك حدث عندما تواجه المسلمون مع الإمبراطورية البيزنطية الرومانية الشرقية.
هذه الإمبراطورية كانت قد ورثت الإمبراطورية الرومانية الغربية والتي كانت قد ورثت بدورها أعمال اليونان.
خلال تلك الفترة كان العرب منهمكين في ترجمة أعمال اليونان والفرس والهنود. لم يترجم العرب تلك الأعمال فحسب بل أضافوا إليها. هذه الإضافات جاءت في شكل طريقة جديدة للوصول إلى الحقيقة.
لقد اخترع العرب الطريقة التجريبية والطريقة التثبتية؛ الأولى ضرورية للعلوم العلمية والثانية ضرورية للعلوم الشرعية في الوقت الذي كانت فيه أوربا تعيش في القرون الوسطى وكان هناك سجال فكري يتحدث عن مدينة الله ومدينة الإنسان .
كان المسلمون يعيشون في مدينة واحدة لا فرق بين الدين والحياة! وبدون هذه العلوم التي نقلها المسلمون وأضافوا إليها لكان العلم قد توقف ولاحتاجت الإنسانية إلى ألف سنة أخرى حتى تستيقظ. بالإضافة إلى اختراع هذه الطرق العلمية أضاف المسلمون بـُعداً جديدا للعلم وهو البعد الأخلاقي .
في مقدمه كتابه "المناظر" يصف المهندس البصري أبو علي الحسن بن الهيثم الطريقة العلمية
فيقول:
وقد كنا ألفنا مقالة في علم المناظر سلكنا في كثير من مقاييسها طرقاً إقناعية فلما توجهت لنا البراهين المحققة على جميع المعاني المبصرة استأنفنا تأليف هذا الكتاب.
فمن وقع إليه المقالة التي ذكرناها فليعلم أنها مستغنى عنها بحصول المعاني التي فيها في مضمون هذا الكتاب.

….وكل مذهبين مختلفين إما أن يكون أحدهما صادقاً والآخر كاذباً وإما أن يكونا جميعاً كاذبين والحق غيرهما جميعاً وإما أن يكونا جميعاً يؤديان إلى معنى واحد هو الحقيقة ويكون كل واحد من الفريقين القائلين بذينك المذهبين قد قصر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية فوقف دون الغاية ووصل أحدهما إلى الغاية وقصر الآخر عنها فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة.
وقد يعرض الخلاف أيضاً في المعنى المبحوث عنه من جهة اختلاف طرق المباحث وإذا حقق البحث وأنعم النظر ظهر الاتفاق واستقر الخلاف.

ولما كان ذلك كذلك وكانت حقيقة هذا المعنى مع اطراد الخلاف بين أهل النظر المتحققين بالبحث عنه على طول الدهر ملتبسة وكيفية الإبصار غير متيقنة رأينا أن نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بغاية الإمكان ونخلص العناية به ونتأمله ونوقع الجد في البحث عن حقيقته ونستأنف النظر في مبادئه ومقدماته ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات ونميز خواص الجزئيات ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس ثم نرقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج
ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات.
وما نحن مع جميع ذلك برآء مما هو في طبيعة الإنسان من كدر البشرية ولكنا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانية ومن الله نستمد المعونة في جميع الأمور.



إن ما يأخذ بالألباب أنَّ هذا العالم الجليل التزم التزاماً كاملاً بهذا المنهج في أعماله كما ألزم به نفسه في مقدمة كتابه.
يقول إبن أبي أصيبعة عن ابن الهيثم في كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء:

"أقول ونقلت من خط ابن الهيثم في مقالة له فيما صنعه وصنفه من علوم الأوائل إلى آخر سنة سبع عشرة وأربعمائة لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، الواقع في شهور سنة ثلاث وستين الهلالية من عمره ما هذا نصه، قال إني لم أزل منذ عهد الصبا مرتاباً في اعتقادات هذه الناس المختلفة وتمسك كل فرقة منهم بما تعتقده من الرأي، فكنت متشككاً في جميعه، موقناً بأن الحق واحد، وأن الاختلاف فيه إنما هو من جهة السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية، انقطعت إلى طلب معدن الحق، وجهت رغبتي وحدسي إلى إدراك ما به تنكشف تمويهات الظنون، وتنقشع غيابات المتشكك المفتون، وبعثت عزيمتي إلى تحصيل الرأي المقرب إلى اللَّه جل ثناؤه، المؤدي إلى رضاه الهادي لطاعته وتقواه، فكنت كما قال جالينوس في المقالة السابعة من كتابه في حيلة البرء يخاطب تلميذه لست أعلم كيف تهيأ لي، منذ صباي، إن شئت قلت باتفاق عجيب، وإن شئت قلت بإلهام من اللَّه، وإن شئت قلت بالجنون، أو كيف شئت أن تنسب ذلك، أني ازدريت عوام الناس واستخففت بهم، ولم التفت إليهم، واشتهيت إيثار الحق وطلب العلم، واستقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا أشياء أجود ولا أشد قربة إلى اللَّه من هذين الأمرين،
قال محمد ابن الحسن فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات، وأنواع علوم الديانات، فلم أحظ من شيء منها بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجاً، ولا إلي الرأي اليقيني مسلكاً مجدداً، فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية، وصورتها الأمور العقلية، فلم أجد ذلك إلا فيما قرره أرسطوطاليس من علوم المنطق والطبيعيات والإلهيات، التي هي ذات الفلسفة وطبيعتها…."

لم يكن ابن الهيثم العالم المسلم الوحيد الذي أُعجب بعلوم اليونان ولكن كان واحداً من كثيرين منهم ابن رشد وابن سينا و الفارابي والكندي والخوارزمي وجابر بن حيان وغيرهم آخرين.
والأن لنأخذ خطوة إلى الوراء ولننظر إلى الصورة الكلية:
ولفهم تلك الصورة الكلية لابد من فهم الوضع العالمي لذلك الزمان لكي نفهم تأثير الإسلام على ذلك الوضع.
كان اليونانيون قد بدأوا شيئا من التفكير العلمي لمواجهه التفكير الأساطيري الذي كان سائداً في زمنهم حوالي ألف سنه قبل ولادة المسيح عليه السلام.
وورث الرومان طريقه التفكير هذه ولكن ومع تنصر الدولة الرومانية حدث صراع شديد بين النصرانية والفلسفة اليونانية كانت نتيجة هذا الصراع مدمرة للامبراطورية الرومانية.
في بدايه هذا الصراع انتصرت النصرانية عندما تنصر الإمبراطور الوثني قسطنطين في القرن الرابع الميلادي ثم أصبحت أوروبا كلها نصرانية في وقت قصير بعد ذلك.
وبحلول عام 410 م تعرضت روما لأولى غزوات البرابرة الذي أتو من منغولية وسيطروا على أوربا كلها وأعادوها إلى قرون الظلام خلال قرن من الزمان.
في ذلك الزمان نفذت النقود كوسيلة للتبادل التجاري وعاد الناس إلى تبادل البضائع . ساد الإقطاع نواحي الحياة. تهاوت المعرفه لعدم وجود وقت للقراءة وأصبح الناس جاهلين بماوراء جدران بيوتهم. توقفت الفنون والفلسفة والحوارات.
لم يعد هناك وجود لحكومة وظيفية فعالة. حكم القوي الضعيف وتجهـّز الأمل للرحيل عن الإنسان لأن الإنسان نسي الأمل.
في تلك الأحوال الحالكة وفي عام 570 للميلاد ولد الرسول الكريم محمّد علية الصلاة والسلام وفي عام 610 للميلاد أرسل الله محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام للإنسانية ليخرجها من الظلمات إلى النور. وأنزل الله عليه القرآن وفي فترة وجيزة تقدم المسلمون في مجالات العلوم وطوروا طرائق جديدة للتفكير اعتماداً على هدي القرآن والسنة.
وبحلول عام 900 م كان للمسلمين قصب السبق في كافة ميادين العلوم.
ترجم المسلمون خلال ذلك أعمال اليونان إلى العربية ثم نقلوها و أضافوا عليها و حذفوا منها . ومن ثَمَّ تلقت أوربا هذا النتاج و نبت عليه نهضتها فيما بعد.
بدأ انحدار المسلمين في القرن الخامس عشر الميلادي رغم أن فتح القسطنطينية على يد محمّد الفاتح حدث في نفس القرن عام 1453 م.
حدث هذا الانحدار رغم أن المسلمين كانوا لا يزالون يملكون بعض زمام القوة ولكن طريقة تفكيرهم تدهورت ولم يعد هناك تفكير حر أو أفكارٌ خلاقة تدفع بالمجتمع إلى الأمام. ووصل الاجتهاد إلى أدنى مستوياته رغم أنه لم ينقطع.
وعزف المسلمون عن تطوير صناعة البارود خوفاً من تأثيرها المدمر على عدوهم " الإنسان".
واعتقدوا أن الرحمة للعالمين تتناقض مع إعداد العدة و امتلاك أحدث العدد العسكرية و هذا ما هيأ الأجواء لفقدان القوة المنظم و الذي تظاهر بانعدام الجاهزية العسكرية لمواجهة القوة الغربية التي كانت بدأت بالبزوغ على الأفق.
بهذا ابتدأ المسلمون خروجهم من التاريخ . و كما يقول جورج أورويل في روايته 1984 "إنه من الطبيعي أن تاريخ الحضارة هو بشكل كبير تاريخ السلاح".
في عام 1455 اخترع غوتنبرغ آلة الطباعة المتنقلة. بدأ استعمال هذه الألة فورا في أوروبا. وبدأوا بالبحث عن الكتب القيمة الجديرة بالطباعة بآلتهم الجديدة. وبعد طباعة بعض الكتب باللغة اللاتينية وأولها الكتاب المقدس التفتوا فوجدوا علوم اليونان كانت موجودة حولهم ولكن باللغة العربية في مؤلفات ابن سينا والفارابي وغيرهم. وهذا ما خلق مشكلة لأن أحرف الآلة الجديدة كانت الأحرف اللاتينية مما اضطر الأوروبيون إلى صنع أحرف عربية معدنية و خلال مئة عام من الآلة الأولى طبع كتاب القانون في الطب لإبن سينا بالأحرف العربية و انتشر في أوروبا و ترجم بعد و ضوح أحرفه إلى اللاتينية و دُرِّس في كثير من جامعاتها. وكان ذلك نصيب كتب عربية كثيرة أخرى.
فانتقل التراث العلمي العربي الإسلامي إلى الغرب من أوسع الأبواب عن طريق المطبعة.
في ذلك الوقت كان المسلمون يتهيبون الطباعة دون سبب منطقي .و استمر هذا لثلاثمائة عام. مما أدى إلى تدهور فكري خطير. وهذا ما فتح الباب للمسلمين للخروج من المعرفة.
وفي عام 1492 م خسر المسلمين الأندلس و كسب الغرب أميركا. وبنهاية القرن الخامس عشر خسر المسلمون السيطرة على الهند وعلى حركة التجارة عن طريق البحر التي كانت تصل الهند بأوروبا. و هذا ما فتح الباب للمسلمين للخروج من الجغرافيا.
وبدون تاريخ أو جغرافيا أو إنتاج للمعرفة خرج المسلمون من الحضارة و أغلقوا الباب ورائهم بل أوصدوه جيداً.
وبحلول القرن السادس عشر تقزم النتاج العلمي للمسلمين إلى ترداد ببغائي للعلوم السابقة دون أي إبداع جديد.
وأصبح فهم القران و كنوزه رهينة لفهم وتفسير العلماء السابقين .
وفي نهاية القرن الثامن عشر بدأت صحوة المسلمين و لكن لبس على صيحات علمائهم بل على طرق نعال نابليون على أبوابهم .
وخرج المسلمون لمواجهة جيش نابليون بسيوفهم وخلال مئة سنة صحت الدولة الدولة العربية و الإسلامية الواحدة تلو الأخرى على أصوات نعال أوروبية عسكرية مختلفة.صحت ليبيا على قرع نعال الجنرال غرزياني وفي سوريا على صوت نعل غورو وهو يضرب قبر صلاح الدين الأيوبي عام 1920 م قرب الجامع الأموي الذي انطلقت منه حملات الفتح الإسلامي الأول وكانت نتيجة هذه الصحوة مواجهة جديدة بين الشرق و الغرب.
فلم يعد ينظرإلى المسلمين على أنهم جزء من طريقة التفكير العلمية الغربية التي كانت في وقت من الأوقات شريكاً أساسيا في تطوير العلوم بل تغير الجو العالمي إلى"المصالح".
تحول العالم الغربي إلى مصا لح غربية حيث توفرت كل الموارد الطبيعية و الأيدي العاملة الرخيصة. بل أكثر من ذلك فقد تحول العالم العربي خلال المئة سنة الماضية إلى حقل تجارب لأعتى و أحقد الأسلحة الغربية الفتاكة.
أدى هذا الخلل العظيم في القوة العسكرية و التقدم العلمي إلى تفسير ذلك أن الإسلام لم يعد قادرا على الدفع بالأمة إلى الأمام بل وصل إلى هذا إتهام الإسلام أنه وراء تخلف المسلمين و ذلك شيء طبيعي فعند تخلخل الواقع فإن الناس ستفهم القيم و المثل التي يقوم عليها هذا الواقعز
وفي تلك اللحظة ولدت الحداثة العربية في أوروبا.ثم ما لبثت الحداثة أن عادت من أوروبا ممثلة بأذكى العقول العربية التي كانت قد تعلمت في أرقى معاهد أوروبا.
وبنهاية القرن التاسع عشر و بحلول القرن العشرين كانت المعركة بين الحداثة و الأصالة قد وصلت إلى أشدها. وظهر ذلك جليا في نموذج المناظرات بين مصطفى صادق الرافعي و طه حسين. كان الموضوع الرئيسي لهذه المناظرات هو مصداقية التراث الإسلامي بأكمله كونها تعتمد على مصداقية وجود الشعر الجاهلي .ولكن خلال تلك المناظرات ضاعت كثير من المفاهيم في خضم تلك المعارك .لم يعد الناس يهتمون بالحقيقة بل بالقوة . ويكرر التاريخ نفسه ولكن فقط السذج هم من يفشل أن يستوعب ذلك. وصل أولئك الذين يدعون أنهم يريدون تحرير العقل العربي إلى السلطة كما و صل المعتزلة إليها قبل 1000 عام.
صادر محرروا العقول حق الناس في حرية التفكير كما صادر قبلهم المعتزلة حق أحمد بن حنبل حرية السؤال عن دليل على دعوى خلق القرآن. لم يعد باستطاعة محرروا العقول تحمل أصوات المعارضين وكان الحل هو السجن لأولئك المعارضين كما عذب المعتزلة أحمد بن حنبل وكل من عارضهم. واصل الغرب خلال ذلك عرض نفسه كرمز للحرية لأن محرري العقول ذوي الأصل الشرقي كانوا يقومون بدورهم على أتم وجه و بحلول نهاية القرن العشرين خرج الأصوليون الإسلاميون من السجن و انتقلوا إلى الغرب .كان كل ما اصطحبوه معهم مجموعة من العادات والقيم العتيقة عمرها 1400 سنة.
ولدهشة الغرب فقد ظهر أن القيم و المثل بإمكانها أن تتجاوز الزمان و المكان و الأشخاص.
بدأ المسلمون رحلة العودة إلى التاريخ و الجغرافيا و العلم إيذاناً من هؤلاء بالعودة للحضارة من جديد.
ولكن هناك شئ واحد جاء به أولئك المغتربون وهو كراهيتهم لنظام المصالح.
كان هذا النظام يعني لهم أن أهليهم في الشرق مازالو ضحايا الظلم أي مازال الشرق يقف حجر عثرة في وجه التقدم للحضارة ولكن هذا النظام يعتبر اليوم العامود الفقري للغرب الجديد. نظام يضحّي بالأخلاق في سبيل المصا لح.

المواجهة العربية الغربية:
كانت هذه المواجهة الجديدة في نهاية القرن العشرين تشكل نوعا ما رداً على المواجهة التي حدثت في بدايات نفس القرن ولكن كانت هناك فروق بين المواجهتين تستحق الذكر.
في المواجهة الأولى كان معظم الطلاب العرب الذين ذهبوا للغرب من أذكى وأغنى وأرقى الطبقات والذين ذهبوا للغرب بغيه التحصيل العلمي العالي.
وكان بقاؤهم في الغرب لفترة مؤقتة. وبالمقابل فقد كان الطلاب الذين هاجروا في الموجة الثانية من الملاحقين في بلادهم والذين انقطعت بهم سبل العيش الكريم. وغادر معظم أولئك صوب الغرب بحثاً عن الحرية والمال. وبسبب ذلك فإن إقامتهم في الغرب كانت دائمة لأن الفقر وانعدام الحرية استمر في بلدانهم. المواجهة الأولى استوردت المفاهيم والقيم من الغرب فيما صدرت المواجهة الثانية مفاهيماً وقيماً أخرى له. هذا التبادل للقيم والمفاهيم لم يساهم في رأب الصدع بين الغرب والشرق بل على العكس ساهم في اتساعه وذلك للبعد الكبير بين منظومة المصالح الغربية ومنظومة القيم العربية.
تغير شكل تبادل المفاهيم في القرن الحادي والعشرين بسبب ثورة الإتصالات. لم يعد الناس بحاجه للسفر لاستيراد أو تصدير المفاهيم بل أصبحت المفاهيم قادرة على السفر عبر الألياف الضوئية للنقل إلى أي ملتقى حيث توجد الشبكة العنكبوتية ومهما يكن من أجل تلقي أي مفهوم عبر تلك الشبكة كان لابد للمتلقّي أن يكون لديه الوقت اللازم لقراءتها وفهمها وبهذا أصبح توفر الوقت شرطاً لابد منه للتقدم الثقافي والفكري.
ولأن معظم وقت الناس أصبح اليوم مستهلَكاً في العمل لسد لقمة الجوع وللتسلية لغرض التسلية فقد انعدم الوقت اللازم تقريبا لإنتاج وتطوير المفاهيم. ولهذا قد توقف التقدم الثقافي تقريباً بين الشباب العربي الذي يشكل معظم الأمـّة.
وبما أن العلم والتربية والمعرفة يشكِّل حجر الزاوية في الأمم المتقدمة فإن حل مشكلة الجهل والأميـَّة يصبح شرطاً لابدَّ منه لأي نهضة نريدها. ولأن الوقت أصبح شرطاً لابد منه لتحصيل المعرفة والعلم فإن الحاجة إلى توفير الوقت أصبح ضرورة لابد منها.
وأصبح مفهوم الوقت واستخدامه ضرورة لابد منها لأي شاب يريد تحقيق أحلامه.
وأصبح استثمار الوقت في تحصيل المعارف شرط لابد منه لرقي الشباب لأن أوقات الشباب غالية .إن المتأمل في الجيلين من الشباب الذين هاجروا للغرب يجد أنهم أصبحوا في أعلى الدرجات بسبب استثمار الوقت.
إن هذا الاستثمار للوقت هو الذي سيبني الشباب الذي سيقوم بعملية النهضة.
إن وظيفة من يريد أن يساعد الشباب على هذا هو توفير المعلومة لهم كي يستطيعوا تحصيلها في أقل وقت ممكن عندها فقط سنستطيع أن ننتج المعلومات

عزل خالد و تأمير أبي عبيدة

من وحي اللحظة

عزل خالد و تأمير أبي عبيدة

كثير من المسلمين يظن أنه عندما عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد عن قيادة جيوش المسلمين و أمّر عليه أبا عبيدة بن الجراح فإن خالداً عاد جندياً عادياً من الجنود. وفي هذا غمط كبير للوقائع و الحقوق.
ولننظر لحظة إلى الوضع قبل العزل فإن خالداً كان القائد ولكن لم يكن أبا عبيدة جنديا عاديا من الجنود بل كان في قيادة الجيش معينا لخالد على اتخاذ القرار بل و لعل كثيرا من القرارات التي اتخذها خالد كانت بناء على توصيات أبي عبيدة.
ولعلنا نتصور الشكل التالي. قبل العزل: خالد القائد العام للجيش و قادته يتفقدون الجيش أما بعد العزل فالصورة مختلفة قليلاً فنرى أبا عبيدة قائدا وقادته يتفقدون الجيش. والأمر الطبيعي أن يكون خالد من هؤلاء القادة يمشي عن يمين أبي عبيدة.
إذا فالأمر ليس بالأشخاص ولكن في الآليات و الكيفية التي تتخذ بها القرارات في ميادين العمل ثم تطبيقها وهذه الآليات لم تتأثر بتغيير عمر لخالد.
من يقرأ الواقع العالمي في ذلك الزمان يجد أن قادة الجيوش يمتلكون سلطة مطلقة كثيرا ما تهدد الدولة نفسها و قد يحدث التفاف من هؤلاء القادة و يعودون بالجيش الجرار إلى العاصمة
و يطيحون بالحكم و في هذا سلبيتان:
الأولى: إلهاء الجيش عن مهمته الأولى في حماية العباد و البلاد.
ثانيها: تقويض سلطة الدولة المدنية و إرجاع الدولة للوراء عقودا من الزمن.
إذاً كان يتوقع من خالد أن يعود بالجيش و يقوض الدولة. ولكنه لم يفعل بسبب ما لعله فهمه لمقتضيات المرحلة التي يعيش فيها و هي أن هذا الجيش جيش ذو هدف سامٍ و هو تحرير الشعوب من سلطة حكامها كي تختار بحرية ما تريد و بعد ذلك فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر.
و يبقى السؤال إن إنجازات خالد في ميدان الحرب كانت يجب أن تكافأ بترقيته مستشاراً لعمر
و ليس عزله عن القيادة. فلماذا حدث ذلك؟
إن العزل كان هدفه تثبيت إحدى مقومات دولة الإسلام الأولى وهي توحيد الله.

و التوحيد كان ناصعاً جلياً في أذهان الجنود الذين دخلوا في الإسلام في بداياته أي جنود الجيل الأول, ولكن مع مرور الزمن ودخول الناس أفواجاً إلى الإسلام ربما توهم الجنود الذي هزمهم خالد للتو أن خالداً لا يهزم و بالتالي تصبح صورته في أذهانهم أسطورية و يكون الدخول الأول لأولئك الجند المهزومين إلى الإسلام مبنيا على انحراف و لو بسيط و لكن تأثيرذلك الانحراف مع الزمن كبير فيحدث تقديس الأفراد عند الجندي الجديد منذ اللحظة الأولى لدخوله الإسلام و هو عكس المقصد الإلهي من نفي تقديس العباد للعباد

موعظة إلى نفسي,موعظة إلى طبيب

موعظة إلى نفسي,موعظة إلى طبيب

د. طارق أبو غزالة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله,

إعلم يا ابن آدم أن كل سعيك في دنياك ليوم وساعة.

أما الساعة فهي ساعة الرحيل و الانتقال لذي القوة الجليل.

و أما اليوم فهو اليوم الطويل يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
و أما الزاد لتلك الرحلة فليس إلا العمل في دنياك.
و ليس يقبل من ذلك العمل إلا ما بقي منه لله صافيا وأما ما شابه شائب فاعلم أنك تاركه في الدنيا خلفك.

واعلم أن الميزان في ذلك اليوم الطويل هو ميزان لا كالموازين بل هو ميزان المعايير الربانية يوم تزن بطاقة أكثر من سعي عمر ويزن حسن الخلق أمثال الجبال و توزن فيه خائنة الأعين ويوزن فيه السر و أخفى وتوزن فيه نيات القلوب, وتوزن فيه دعوة المظلوم على الظالم ولو حكم القضاة للظالم في الدنيا و توزن فيه دعوة المريض على الطبيب إن أساء ويدعى للشهادة يده ولسانه وسمعه وبصره ورجله.

واعلم أن ميزان ذلك اليوم ميزان الجبار المتكبر لا يوزن فيه لمتكبر.

فمتكبر الدنيا ذليل الآخرة.

وغني الدنيا فقير الآخرة لا يغني عنه ماله إذا تردى.

ومعرض الدنيا أعمى الأخرة منسيُّ الذكر وللآخرين عبرة.

واعلم أيها الطبيب أن الله نصير مرضاك فهو الذي امتحنهم بالمرض وهو المخفف عنهم في الدنيا و هو الذي يجزيهم في الأخرة لصبرهم على المرض.
وقد وضعك الله في موضع السبب لهذا الشفاء وليس في موضع مسبب الشفاء.
فلا يغرنك علمك ولا مالك ولا جاهك وأنت تجتهد في العلاج فلعل اجتهادك أن يعمي عليك ولعل طبك أن يخذلك فلا ينفع وأن يخفضك فلا يرفع.

واعلم يا من التحقت بسفينة أن القوم لما ركبوا السفينة صار كل واحد منهم في موضع الخطر لعله يقوم بالعمل إن لم يؤخذ عليه بأيدي الباقين أغرق السفينة فهلك و أهلكهم.

وأعلم أن القوم لما ركبوا السفينة صار لكل منهم حق على الربان أن يعدل إذا نظر. فإن لم يفعل لم يغن عن جمعهم حكمته ومكانته.
واعلم أن القوم لما ركبوا السفينة صار للربان حق على راكبيها النصح و المشورة.
واعلم أن القوم لما ركبوا السفينة صار على الجميع حق التفكير في مآلها و عدم الانشغال بجمالها.
فإن العبرة بما تؤول إليه الأمور من بدايتها فمن صلحت بدايته صلحت نهايته. ومن سار على الدرب وصل والدرب مرسوم لا يضل عنه إلا هالك.

واعلم أن المعاملة دليل الأخلاق. وأن الميزان الرباني شديد الحساسية لهما وأن أحاسن الناس أخلاقا أقربهم في ذلك اليوم من المصطفى صلى الله عليه وسلم منازلا.

وليس الخاسر يوم ذاك إلا الذي أتاه الخبر في الدنيا فأعرض عنه و نسي ما قدمت يداه ولكن الديّان أحصاه.

وصدق رسول الله: البر لا يبلى والإثم لا يُنسى والديان لا يموت فكن كما شئت كما تدين تدان

الفرق بين امرأة و أخرى

الفرق بين امرأة و أخرى

د.طارق أبو غزالة
3-12-2006



كنت منذ أيام في زيارة إلى دمشق الحبيبة ضمن البرنامج المشترك لوزارة الأوقاف و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لإعطاء دورة التفكير الموضوعي.
وبعد انتهاء الدورة اجتمعت بأحد كبار علماء الشام و مربّيها فبث إليّ شاكيا و قال: يا دكتور مازال إلى يومنا هذا يوجد من يرتقي المنابر و يترحم على أيام أبائنا و أجدادنا أن كان للمرأة في تلك الأيام خروجان خروج إلى بيت الزوجية و خروج إلى القبر. و تابع العالم الجليل بهمّ واضح: لعل ذلك جرى في عهد ابي و جدّي و لكن ليس ذلك من الإسلام في شيء و ليس ذلك مدعاة للترحم عليه.
تأملت في قول هذا العلاَّمة هل يعقل أن يكون للمرأة خروجان في حياتها و تمضي بقية عمرها رهينة الحبس من حائط إلى حائط لا تكلم إنسياً.
ثمَّ أعملت القلم و العقل والرقم في هذه المسألة.
نعم هناك فريق لازال يؤمن بأن المرأة لا تخرج أبدا إلاّ إلى الزوج أو القبر. ولكن هذا الفريق نفسه هو الذي يحرِّم على تلك المرأة إن مرضت ألاّ تزور إلاّ طبيبة و إن آلمها سنها لا تراها إلاّ طبيبة أسنان و إن حملت لا يولدها رجل بل امرأة.
نحن بحاجة بلغة الكمّ إلى جيش من النساء الطبيبات و طبيبات الأسنان و المولدات و القابلات
و الممرضات و المدرسات. و لنحص عدد الخروجات التي تحتاجها أي منهن كي تصبح على كفاءة لازمة تؤهلها لعملها.
إن تخريج طبيبة واحدة يستلزم ست سنوات للحصول على الدكتوراة الأساسية و ست سنوات أخرى من الاختصاص. ويحتاج ذلك إلى خروج المرأة إلى الجامعة مرة واحدة يوميا على الأقل لتتعلم. و بحساب بسيط يعني أن تخرج المرأة حوالي 2400 مرة كي تتم اختصاصا كالتوليد وأمراض النساء. وفرق بين امرأتين, الأولى لا تخرج إلاّ مرتين في الحياة و الثانية تخرج الحياة من رحم الأولى عند توليدها فمن يا ترى يبني الحضارة الأولى أم الثانية؟

إن كنا نريد للنساء ألا يتطببن إلاّ على يد النساء فهذا يعني أنه يجب علينا إعادة الحسابات كي نعلم العدد الكافي من النساء اللواتي نحتاجهن كي يقمن على خدمة الأخريات. ولعل في ذلك مسائلة لفرض الكفاية الذي يُعرَّف بأنه إذا قام به البعض بشكل كاف سقط عن الباقين.
فهل تخريج الطبيبات و المدرسات و الممرضات وطبيبات الأسنان فرض كفاية أم لا؟
فإن كان فرض كفاية وجب التحديد الدقيق للكم و الكيف لإعادة النظر في عدد المرات التي تخرج بها المرأة من البيت في حياتها!
وبعد الإجابة على هذا السؤال يجب أن نجيب على السؤال التالي: إذا كان يجب على المرأة أن تخرج خارج منزلها كي تتعلم فروض الكفاية أكثر من مرتين في حياتها, فمن الذي يوصلها إلى أماكن التعليم تلك؟

الثقة بين المريض والطبيب جسر مفقود لا بد من بنائه

الثقة بين المريض والطبيب جسر مفقود لا بد من بنائه

د. طارق أبو غزالة
بعد ساعة من الإنصات لشكوى مريضي وفحصه فحصاً دقيقاً والاطلاع على كل اختباراته التي كان قد أجراها قبل زيارتي فى مراكز ومشافي عديدة, بدأت بشرح المرض وأعراضه وعلاجه وماهو المطلوب من المريض لمتابعة هذا العلاج.
قاطعني المريض قائلا: يادكتور سأكون صريحاً معك. أنا لا ثقة لي بأي طبيب عربي كل ما أطلبه منك أن تكتب لي توصياتك بتقرير وتعطيني إياه.
قلت له: إن كنت لا تثق بأي طبيب عربي فلماذا تريد تقريري. قال: كي يكون معي عندما أذهب الى جنيف حيث طبيبي الخاص! قلت له وهل هذا الطبيب الخاص متوفر لك دوماً. أجاب: لا, ولكن عندما أسافر في الصيف يراني مرة واحدة وهذا يكفي.
ضربت كفاً بكف متعجباً من مريضي هذا.
ففي خلال ممارستي للطب خلال ثلاثة عشر عاماً قضيتها في أكبر المشافي والمراكز الطبية في الولايات المتحدة الأمريكية لم يسبق أن مرّ بي مريض لا يثق بي كطبيب حتى خلال أيام التمرين والاختصاص. فالمريض يبقى على طبيب واحد لا يغيره عادة إلا في حالات قليلة منها انتقال المريض إلى مدينة أخرى أو انتقال الطبيب .
هذه المشكلة من انعدام الثقة بين المريض والطبيب العربي تكاد تكون شاملة لمعظم البلدان العربية وليست محصورة فى بلد دون آخر. وتكاد تكون موجودة عند معظم المرضى العرب وليست محصورة عند فئة قليلة, فحتى المريض الذي لا يستطيع أن يصل الى جنيف أو باريس أو لندن أو أمريكا لا يثق بطبيبه وينتقل من طبيب الى آخر باحثاً عن التشخيص والعلاج.
إن هذه المشكلة مشكلة حقيقية لابد لعلاجها من معرفة أسبابها ونتائجها ثم محاولة وضع اقتراحات لحلّها للنهوض بالصحة العامة فى وطننا الغالي.

أسباب انعدام ثقة المريض بالطبيب:
إن من هذه الأسباب ماهو حقيقي و منها ماهو متوهَّم.

الأسباب الحقيقية:
السبب الأول: تدنّي مستوى الطب عموماً في بلادنا
إن الطب في بلادنا لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب وليس ذلك لعيب في الطبيب ولكن لعيب النظام التعليمي في كليات الطب ثم عيب النظام التدريبي في المشافي ومن ثَمَّ عيب النظام الطبي العام وانعدام حوافز المتابعة العلمية للطبيب.
والأطباء الذين تخصصوا في الدول المتقدمه يعلمون الفرق بين إمكانيات تعليم طلاب الطب في بلادنا وبلاد الغرب.
هذا التباين ينتقل الى مرحلة التدريب والتخصص. فإمكانيات التعليم السريري في الغرب ومتابعة المرض تمكن الطبيب من التعرف على سيرهذا المرض او ذاك ومتابعة آخر المستجدات لتشخيصه وعلاجه. وهذا مازال صعباً في بلادنا . أما متابعة التحصيل العلمي خلال الممارسة العملية للمهنة أي عبر المؤتمرات والمحاضرات فلا توجد هيئة تضبط ذلك إلا في قليل من الدول العربية. أما الطبيب في الغرب فمطالب بأن يقدم مايثبت أنه يتابع تعليمه وتطوير مهنته بمالايقل عن عشرين ساعه سنوياً وهذا يعني حضور مؤتمر من أربع أيام بمعدل خمس ساعات كل يوم أى حوالي عشر محاضرات في اليوم.
والطبيب الذي لا يقدم مايثبت ذلك لا تجدد رخصة مزاولته للمهنة وبالتالي يفقد قدرته على العمل.
إن وجود الإنترنت اليوم قد سهَّل على المريض التعرُّف على طبيبه بشكل دقيق فكل مايحتاجه أن يزور موقع البورد الأمريكي مثلاً ويدخل اسم طبيبه فيعلم إن كان مجازاً في البورد أم لا ومتى تاريخ انتهاء هذه الإجازة . وإن كان قد جدَّد هذه الإجازة, ثم زيارة الموقع الرسمي لوزارة الصحة يستطيع أن يعرف إن كان طبيبه يحمل ترخيص مزاولة المهنة ومتى تنتهي صلاحية هذا الترخيص.
إن هذه المنظومة المعرفية هدفها بناء الثقة بين الطبيب والمريض.
إن كلمة طبيب استشاري Consultant فقدت الكثير من أهميتها بسبب من يدعي حيازتها دون وجه حق وفي ذلك غمط لحق من حازها علماً و خبرة.
إن وجود هيئات حكومية للتخصصات الصحية في بعض بلادنا العربية أمر رائع لا بد من تعميمه على باقي الدول العربية. فذلك يضع ضوابط لممارسة هذه المهنة النبيلة. إن الخطوة التالية بعد ذلك هي التواصل مع الناس عبر الإنترنت بحيث يصبح في مقدور أي مريض أو مريضة الاطّلاع على مؤهّلات الطبيب أو الطبيبة من خلال زيارة مواقع هذه الهيئات.
فالطبيب ليس لغزاً من الألغاز, إنما هو صاحب مهنة خطيرة و حساسة لما فيها من تعامل مع حياة و أعراض الناس. لذلك كان لابد من أن تكون مؤهلات كل من يدّعي أنه طبيب متاحة للجميع كي يطّلع عليها إن شاء قبل الذهاب للطبيب و تسليمه جسده و نفسه.
هل هذه المنظومة المعرفية كافية بمفردها لبناء الثقة بين المريض و الطبيب؟
الجواب لا ولكن عدمها يمنع من بنائها.
إذاً هى ضرورية لمرحلة أولى لبناء الثقة.

السبب الثاني : سلوك الطبيب مع المريض
إن نظرة الطبيب التجارية للمريض أنه زبون يجب الاستفادة المادية منه الى أقصى درجة قبل أن يغادر هذا الزبون الى دكّان الطبيب المنافس, هذه النظرة قد هدمت الثقة بين المريض والطبيب وأثقلت كاهل المريض بمصاريف إضافية وهذا كلّه يدخل في ناتج الإنفاق القومي على الصحه بلا حاجة.
فلا المريض ولا عائلته باتوا يثقون أنهم يحصلون على آخر ماتوصل إليه الطب في التشخيص وعلاج المرض.
أضف إلى ذلك ما يفعله بعض الأطباء من غمزٍ و لمزٍ لزملائهم الأطباء في سبيل الاستحواذ على المريض بدل إنفاق الوقت في شرح المرض و العلاج للمريض.



السبب الثالث: الأميّة الصحيّة
وهنا أقول إنَّ المريض هنا يتحمل جزءاً من المسؤولية وذلك بسبب انتشار ما أسمّيه "الأمّية الصحّية" الموجوده في مجتمعاتنا. فالنظرة الى المرض أنه شيء خبيث يجب عدم التحدث عنه أو معرفته هي نظرة النعامة تدفن رأسها فى الرمال تظن أن الخطر قد زال.
يعلم كثير من زملائي الأطباء أن أهل المريض في كثير من الأحيان يرفضون إطلاع المريض على مرضه والأصل أن ينكب المريض وذووه على التعرُّف على المرض عبر القراءة والبحث عنه. بذلك تصبح العلاقة بين المريض والطبيب علاقة تشاركية حقيقية يستطيع الطرفان فيها أن يبنيا خطة علاجية لكل منهما فيها دور يجب أن يؤديه.
فالطبيب عليه التشخيص والعلاج الملتزم بالدقة والمريض عليه فهم مرضه واتِّباع تعليمات الطبيب.
إن أكثر المواضيع التي يبحث الأمريكيون عنها على الإنترنت هي مواضيع تتعلّق بالصحة.
هذا يدعونا إلى نشر الثقافة الصحية على الانترنت وعبر وسائل الإعلام المختلفة لتصبح متاحة للناس. إن القناة الفضائية الأمريكية "اكتشاف الصحة" ((Health Discovery Channel من أنجح القنوات و يتابعها الناس بكافة فئاتهم. فالمرض لا يميز بين جنس, أو لون أو عمر.
ومن الوسائل الأخرى التي تكافح "الأمية الصحية" هي وجود مجموعات من المرضى يجمعهم مرض مشترك يسري فيه المرضى عن بعضهم ويتعلمون من بعضهم طرقاً مختلفه في التكيف مع أمراضهم.
من أعراض الأمية الصحية الأخرى التى تفعل فعلها فى هدم الثقة بين المريض والطبيب هو لجوء المريض في كثير من الأحيان للصيدلي بدل الطبيب للحصول على الدواء. وفي هذا خطورة كبيرة على المريض, فالصيدلي له معرفة كبيرة بعلوم الدوائيات ولكن لا علم للصيدلي بشكوى المريض وأمراضه والأدوية الأخرى التى يتناولها وكيفية استجابة المريض لها. وهذا مايميز العلاقة بين الطبيب والمريض.
أما محاولة تجاوز هذه العلاقة واللجوء للصيدلي توفيراًً للوقت والمال فعاده ماتكون نتيجته عدم تحسن المريض وإنفاق المال دون لزوم ثم اللجوء للطبيب وقد يكون المرض قد تفاقم وأصبح علاجه أصعب وأكثر كلفة.

اقتراحات لبناء الثقة بين المريض والطبيب:
أولاً: اختيار طبيب للأسرة يعالج أمراضها ويتابع لقاحاتها والتوصيات قبل سفر وبعده الى ما هنالك من الأمور الصحية اليومية.
ثم إذا دعت الحاجة يحول طبيب الأسرة مريضه إلى طبيب مجتهد مختص استشاري وهذا التحويل يحمل فى طياته الكثير من الإيجابيات .
فطبيب الأسرة سيختار أفضل الاستشاريين لأنه مسؤول أمام المريض عن هذا التحويل.
والطبيب الاستشاري سيبذل ما بوسعه دون إفراط ولا تفريط حفاظاً على سمعته وعلى استمرار عمله. وفي تعاون طبيبين لعلاج مريض واحد فائدة كبيرة للمريض.

ثانياً: ابتكار وسائل تعين على تبادل الثقة كأن يعطي الطبيب للمريض وساماً إن أقلع عن التدخين او التزم بحمية او تمارين أو التزم بدوائه. ولا يقللنّ أحد من تأثير هذه اللفتات على نفسية المريض. فالمريض يريد أن يشعر أنه مهم بالنسبة لطبيبه وأنّه يعرف عن صحته كل صغيرة
و كبيرة.
ويقابل ذلك رسالة عرفان من المريض للطبيب إن افلح تكون دعماً نفسياً للطبيب فكثير منا في الغرب تصله تلك الرسائل ويفرح بها كثيراً, بل يعلّقها في غرفته شهادةً على خبرته.

ثالثاً: وضع خطة للتثقيف الصحي للأسرة بواسطة قراءة الكتيّبات و متابعة الشؤون الطبية على الإنترنت و ما إلى ذلك.
إن الثقة بين الطبيب و المريض لا تبنى بين عشية و ضحاها. بل هي علاقة تراكمية تحتاج إلى وقت. هذا الوقت قد يثمرعلاقة طويلة الأمد بين الطرفين. وفي بعض الأحيان تتطورهذه العلاقة لتصبح علاقة شخصية يكتنفها الكثير من الود و المحبة بين الطرفين.
وأخيراً كلمة لا بد منها.

إن كل ماسبق هي من الأسباب الحقيقية لانعدام الثقة بين المريض و الطبيب لا بد من علاجها.
أمّا السبب الوهمي فهوالاعتقاد أن أي طبيب غربي أفضل من أي طبيب عربي. وهذا سببه عقدة النقص فينا. وهو اعتقاد خاطئ لا حاجة للرد عليه فالكل يعرف أن كثير من أطبائنا الذين اختصوا في الغرب فاقوا كثيراً من نظراءهم الغربيين علماً و عملاً وخلقاً.
إنّ الطبيب العربي العالم الماهر الحاذق أفضل من أي طبيب غربي فهو على الأقل سيفهم شكوى المريض دون ترجمان

الشورى و القيادة.

الشورى و القيادة.
د. طارق أبو غزالة

كثيرة هي التفسيرات و التحليلات التي تتناول موضوع الشورى من حيث الشكل و المضمون.

وقد تغيرت أشكال الشورى في العالم مع مرور الزمان و تغير المكان فالشورى ليست حكراً على المسلمين وحدهم.

فكلُّ من ولي أمراً من أمور قوم بحاجة إلى المشاورة في كيفية إدارة أمور هؤلاء القوم بغض النظر عن الدين و العرق و اللون.

في الأزمان السالفة كان الملوك و الأباطرة أصحاب القرار ولكن كان لكل منهم مستشارين يدلون بآرائهم إذا حزَب الأمر. و نهضة الأمم هنا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأمرين:

1- حنكة القائد

2- ولاء المستشارين و خبرتهم

والمقام هنا ليس للكلام عن حنكة القائد فأحنك القادة ينهار إذا أحاط نفسه ببطانة السوء. و أنما الكلام عن ولاء المستشارين و خبرتهم ودور ذلك في نهضة الأمم.

هذا الطاقم حول الزعيم هو المتصرف فعلاً في مقدرات العباد و البلاد.

اعتماداً على هذا التقسيم -الولاء و الخبرة- ينقسم هذا الطاقم بحسب قربه و ولائه من الزعيم إلى غير الموال أي ذلك الذي لا يعتبر موالياً للحاكم و الرعية في مقابل من هو موال له وللرعية يفديه

و يفديها بالغالي و الرخيص.

وكذلك بحسب خبرته إلى غير خبير أي ذلك الذي لا يملك خبرة في أمور الحكم في مقابل الخبير

و هو المحنك في مسائل الحكم. فينقسم الملأ حسب ذلك التصنيف إلى أربعة أصناف:

1- غير الموالي غير الخبير

2- غير الموالي الخبير

3- الموالي غير الخبير

4- الموالي الخبير

هذه الأصناف هي التي تتولى أمور الشورى في الأمم.

1-غير الموالي غير الخبير (الحثالة):

هؤلاء كثر في عالم المستشارين في بلادنا وهم إنما يصلون لمنصب المستشار أو "الهامس في أذن القائد" إذا صح التعبير بكثرة الدعاية لأنفسهم والترويج الكاذب لولائهم وكثرة النفخ في القائد

و "تمسيح الجوخ" له. و يُعرف هؤلاء بكثرة الكلام تعويضاً عن نقص الخبرة و بسوء الأخلاق لقلة أمانتهم وتكبّرهم على من هم دونهم وذلّتهم أمام من هم فوقهم.

ويميّز هؤلاء أيضاً قلة تضحيتهم فهم أسرع الناس تبرؤاً من القائد عند هبوب أقلّ ريح. لا تجد مجلساً إلا تصدروه و لا وسيلة إعلامية إلا انتهزوها لينفخوا في القائد و يخادعوا الناس.

وأذى هؤلاء يتعدى إلى الخبراء الموالين من الصنف الرابع للتخلص منهم لأنهم وحدهم القادرون على كشف حقائق الأمور. وتاريخنا مليء بالوشايات المغرضة ضد هذا الصنف من الخبراء الموالين على يد غير الخبراء غير الموالين.

أما نهاية هؤلاء الحثالة فعادة ما تكون إما ثراءً فاحشاً وهرباً بالأموال إلى المنافي أو قبراً معتماً.

2-الخبير غير الموالي (التكنوقراط):

ويوجد هؤلاء أيضاً بكثرة في العالم العربي. ولا تعني عدم الموالاة هنا الغش و الخداع و لكن يعني ذلك عدم التضحية في سبيل الأمة. فالخبرة لديهم رأي يشترى بالمال أو بالمنصب أو مادون ذلك.

فالرأي سلعة لا تباع إلا بثمن و البيع لمن يدفع أكثر ولو كان منافساً للقائد المستشير.

ونفع هؤلاء مساوٍ لضررهم. فقلة الأمانة و الوازع الأخلاقي قد تدفع بهؤلاء إلى إسداء رأي خاطئ عمداً بغية مصالح خاصة ونرى هؤلاء بكثرة في الإدارات الأمريكية وخاصة إدارة الرئيس جورج بوش الابن فكثير من المستشارين خبراء في مجالاتهم ولكن تربطهم مصالح خاصة بأطراف ولوبيات متعددة تتحكم بالرأي الصادر عنهم. والأزمة المالية الخانقة خير مثال على ذلك. فالمتصدر لتلك الأزمة هناك تربطه مصالح خاصة بالبنوك التي أفلس منها حتى الآن أكثر من مائة بنك.

عادة ما ينتهي هؤلاء إلى جدران بيوتهم أو إلى زوايا السجون.

3- الموالون غير الخبراء (العائلة أو المافيا):

وهؤلاء هم قرابة القائد أو رفاق الدرب قبل وصول القائد لسدة الحكم. يصلون إلى المناصب بحكم تلك القرابة وتلك الرفقة. مصيرهم مرتبط بمصير القائد ارتباطاً مباشراً, إذا ذهب ذهبوا و إذا ارتفع ارتفعوا و إذا انخفض انخفضوا.

هؤلاء هم الكثرة الغالبة من المستشارين في العالم العربي و العالم المتخلف سياسياً لثقة القائد بهم و اعتماده عليهم و إنما يعتمد عليهم بغية الحصول على أخبار الرعية دون الحاجة لتفقدها ودون الحاجة إلى الرأي كيف يصلحها.

همّهم الأول استمرار حكم القائد "إلى الأبد" و ذريته من بعده فهم أحرص الناس على "التوريث" لا لمحبتهم بالقائد و أولاده و إنما حرصاً على استمرار تدفق نهر الثروة الجاري المنهوب من أقوات الجياع وعرق المستضعفين.

هم أظلم الناس للناس لتجذّر مكانتهم فالقائد لا يستطيع مسّهم لأن في مسّهم مس لذاته التي لا تمس.

مصيرهم كمصير القائد إما التوريث وإما المحاكمة المفضية إلى القبر أو السجن.

هذه الفئة تتحكم الآن بمقدرات الأمة وتمتلك ثروة طائلة و إعلاماً جارفاً وتتحكم بأقوات الناس

و مستقبل أبنائهم وقد تمددت هذه الفئة فأصبحت كالغيمة الكبيرة تخيم على الجميع رعدها يخيفهم و صواعق برقها تطال كل صوت معارض مهما كان خافتاً. غيمة لا تقي من شمس ولا تمطر مطراً نفعها عديم و شرها عميم.
ومع الزمن و بسبب غياب المستشارين من الصنف الرابع يكتسب المستشارون من المافيا الخبرة ثم تضخم تلك الخبرة و تنفى عمّن سواهم فتقنع الأمة بالترغيب قليلاً و بالترهيب معظم الوقت أن لا بديل عن الوريث المنتظر.
وينضم إلى الوريث هنا ورثة المافيا و المستشارون من الصنف الأول (الحثالة) و من الصنف الثاني التكنوقراط للنهوض بأعباء الأمة و الخروج بها من النفق المظلم إلى عصور التنوير ومحاسبة المقصرين و الأخذ عليهم بيد من حديد. ولا أحد يجرؤ على السؤال: ولكن من زج بنا في هذا النفق المظلم؟
فطبول الإعلام أقوى من أي صوت و لا صوت يعلو على صوت "الوريث" وتجرد الأمة من حقها في الاطلاع على أي برنامج انتخابي لأي فرد منها. أما من يتجرؤ و ويقول كما قال يوسف للملك "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" فيعاد إلى السجن. ولنتخيل مصر زمن يوسف دون يوسف! بل لا نتخيل فالأمر لا يحتاج إلى تخيل. كل ما يحتاج هو أن ننظر من حولنا!
وليس القصد هنا الإيحاء أن الأمر يحتاج إلى نبي للخروج من النفق. لا, فزمن الأنبياء انتهى ولكن القصد هو التنبيه أن الخروج من النفق المظلم يحتاج إلى الأمناء من الصنف الرابع.
ولعل المثال المعاصر لنا هو النموذج التركي. والحمد لله أننا لم نسمع إلى الآن عن وريث رجب طيب أردوغان أو عبد الله غل.

4-الخبراء الموالون (الأمناء):

وهؤلاء قلة في العالم العربي و لكن ليسوا بالندرة. وإنما ندرتهم في ندرة وصولهم لأذن القائد لأن الأصناف الثلاث الأولى تعمل جاهدة على إقصائهم من كل مكان. و للحقيقة فحضارة الأمم هي نتاج العلاقة بين هؤلاء الأصناف الثلاثة الأولى مع هذا الصنف الرابع. فإذا تغلب هذا الصنف الرابع ارتقت الأمم وإذا انغلب انغلبت.

ما أن يصل واحد من "الأمناء" لأذن القائد أو يخرج منهم قائد حتى تحاك ضدهم أشرس المعارك ابتداء من خدور النساء "بغية التوريث" وانتهاء بهم لانقسامهم على أنفسهم حتى يفضوا إما إلى السجن أو البيوت.

والأمم تعرف هؤلاء معرفة وثيقة و تصدّرهم مجالسها و تفرد لهم الصفحات في كتب تاريخها وتمشي في جنائزهم التي يغيب عنها قادتها.

معظم هؤلاء مغمور اليوم لا يلقى له بال مشغول بمصدر رزقه و مستقبل أولاده.

و تأثير هؤلاء "إذا وصلوا لأذن القائد" كبير يتجاوز زمانهم و مكانهم بل يخلد ذكرى القائد المنصوح. وقصة "رجاء بن حيوة" وزير سليمان بن عبد الملك الذي أشار عليه بتولية عمر بن عبد العزيز من بعده بدل "التوريث المباشر" تختزل تأثير هؤلاء الموالين الخبراء. رأي واحدهم يعمّ به الخير على الجميع لأجيال.

واليوم نستطيع أن نتعرف على القائد و شعبه فنقول: قل لي من مستشارك أقل لك من أنت.

يبقى السؤال اليوم كيف نعيد الأمناء الخبراء الموالين للأمة إلى سدة الشورى؟ ألا هل إلى خروج من سبيل؟

ولّى عهد المقاطعة. رؤية جديدة.

ولّى عهد المقاطعة. رؤية جديدة.

د. طارق أبو غزالة
الدائرة للإحياء الفكري

ولّى عهد المقاطعة.
قاطعنا قهوة الشركات التى تدعم إسرائيل.
قاطعنا الدول التى انتقصت من قيمنا وتطاولت علينا.
قاطعنا الأجبان والألبان والحليب والأقمشة والأشربة.
وزعنا الباركود (رمز الدولة التجاري) على الإنترنت كي ننتبه له فلا نشتري بضائع الدول التي أهانتنا.
قاطعنا بعض الفضائيات الهابطة, وقاطعنا بعض الذين لم يغنوا للمقاومة.
ولكن بعد كل هذه المقاطعة يبقى السؤال, ثمّ ماذا؟؟
هل تحولت أفعالنا الى عادات؟
المقاطعة لا يمكن أن تتحول الى عادات لأنها تقاطع و لا تقدم البديل.
لذلك أدعو إلى طريقة جديدة لمعاقبة من ينتهك المقدسات والحرمات والأرض والإنسان. ولكن هذه الطريقة أصعب من المقاطعة لأن بها مسؤولية وتستلزم وعياً بالواقع وتحتاج الى تنسيق دقيق للآليات الجديدة.
بدل مقاطعة الشركات التى تنتهكنا, فلنغير من عاداتنا ولنتحول الى دعم من يدعم طموحاتنا.
هناك الكثير من الشركات الوطنية التى تنتج منتجات لا تقل جودة عن نظيرتها الأجنبية و تتميز بأنها ترعى أعمالاً خيرية أو فكرية أو اجتماعية فى مجتمعاتنا, فلنتحول الى بضائع تلك الشركات ولتصبح هى المنتجات المفضّلة لنا.

ماذا يحتاج قرار كهذا؟
1- المسؤولية:
هذا يحتاج الى قرار مسؤول على مستوى الفرد من الطفل الى الشيخ. فرق كبير من أن تطلب من فرد أن يقاطع فيقاطع إلى أجل مسمّى ثم تنفضّ المقاطعة وبين أن تطلب منه أن يدعم شركة ما فيصبح ذلك عادة فتتقوى الشركات التى تحمل همّ الأمة.

2- الوعي بالواقع:
وهذا يحتاج إلى وعي بالواقع وذلك عبر معرفة نشاطات الشركات ومراقبتها وإصدار نشرات دورية عن تلك النشاطات التى ترعاها بحيث يعرف ماتقدمه هذه الشركات هل هو ملموس أم ذر للرماد في العيون.
إن شركة ترعى مهرجاناً غنائياً لمطرب او مطربة تختلف عن شركة ترعى همّ الشباب ومؤتمرات مخصصة لتطويرهم أو أخرى ترعى مؤتمرات صحية لتوعية الناس أو ثالثة تكفل الأيتام و توفر لهم مواد الدراسة مع بدء كل عام دراسي.

3-التنسيق الدقيق لآليات الدعم:
أما التنسيق الدقيق لتلك الأليات فهو تسهيل معرفة أنشطة الشركات الداعمة لقضايا الأمة. وهذا يعني وجود مرجعية موثوقة تتثبت من نشاطات الشركات الداعمة لقضايانا قبل إدراجها في دليل الداعمين.
أي يجب إنشاء دليل للداعمين بدل من لائحة الخائنين أو لائحة المقاطعين.
وهنا لن يستطيع أحد أن يتهم أحداً بأنه يتهم الناس فى نياتهم بل الأمر واضح شفاف, فهذا الدليل لا يدرج فيه إلاّ من ثبت دعمه لقضايا الأمة.
إن مبدأ "وأما ماينفع الناس فيمكث فى الارض" هو سنة ربانية ليس علينا إلاّ تفعيلها عبر دعم من يدعمنا.
إن هذه الطريقة الجديدة فى التعامل مع الواقع أقوى أثراً لأنها تصنع عادات تغير من الموازين الاقتصادية.
وهذا يتطلب من المرء التنبه أثناء أي إعلان لمواد تجارية لقراءة ما بين سطور الإعلان. وسؤال النفس ماذا تقدم هذه الشركة لي غير هذا المنتج؟
هل تدعم مدرسة الحي؟ هل أنشأت مكتبة عامة للناس؟ هل أنشأت وقفاً لدعم الطلاب المحتاجين؟ هل تحمل قيم الفضيلة لأطفالنا؟ إذا كانت الإجابة بنعم فحق علي إذاً دعم هذه الشركة. فإن كانت شركة صابون يصبح هذا الصابون هو ما أعطر به يدي. وإن كانت شركة ملابس يصبح قماشها ستراً لي و لأسرتي. وإن كانت شركة أغذية يصبح غذاؤها طعامي.

إن هذه الطريقة الجديدة فى التعامل يجب أن تنتشر لتشمل كل أنواع الشركات حتى
التى تقدم خدمات مثل الجوال والإنترنت وخطوط الطيران والفضائيات, فأدعم الشركة التى تدعمني عبر شراء خدماتها.

إن هذا الفهم في التعامل مع اقتصاد السوق سيغير من آليات هذا السوق و سيفرض عليه ضرائب يؤديها للمجتمع قبل تمكنه من جيوب الناس.

أما آليات هذا التفكير الجديد فهي:
أولاً: شحذ الإرادة ثم النية أن أغير عاداتي ومشترياتي تجاه من يدعم قضاياي.
ثانياً: البدء بالبحث والتقصي عن نشاطات تلك الشركات والبحث عمن يدعم هذه القضايا.
ثالثاً: توثيق هذه النشاطات بشفافية.
رابعاً: نشر هذه النشاطات على مواقع الإنترنت وإرسالها بالبريد الإلكتروني ورسائل الجوال القصيرة والتثبت من تلك الرسائل القصيرة عبر مواقع الإنترنت المعتمدة قبل أن أقدم على الدعم.

خامساً: المراجعة الدورية لتلك الشركات ونشاطاتها وتحديث المعلومات عنها.
سادساً: استبدال العلماء والمفكرين بنجوم الغناء والرياضة كي يصبحوا هم مرجعية تلك المنتجات, فليس هناك عيب في معرفة ماهو المشروب المفضل لعالم أو مفكر!! وسيتبع الناس هؤلاء العلماء والمفكرين حتى فى شرابهم.

إن شعار المرحلة القادمة يجب أن يكون:

"ايتها الشركات التي حملت همّ الأمة فتفاعلت معها, وقدمت لها و لو شيئاً يسيراً, حقٌّ علينا أن نقول لك شكراً.
فشكراً لك.
و حق علينا أن ننشأ الآليات التي تمكننا من رد الجميل.
فانتظرينا."

كتبت هذه المقالة في عام 2006
اعيد نشرها الان بسبب الدعوات التي انتشرت على الفيس بوك لمقاطعته.
الفيس بوك فيه كثير من القضايا الهامة ودعوة المقاطعة تعني مقاطعة هذه القضايا.
لو ان المسلمين قاطعوا البال توك قبل حوالي 10 سنوات عندما فتح بعضهم غرفة لسب النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الوف الناس في الاسلام. انما كان ردنا حين ذاك فتح غرفة للتعريف بالاسلام وكنت من الذين يحاضرون فيها واذكر ليلة اسلمت بها 3 اخوات دفعة واحدة.
من اراد ان يقاطعني بسبب موقفي هذا فليفعل, فكل نفس بما كسبت رهينة

يوسف الصديق, الرحلة من البداوة إلى الحضر.

يوسف الصديق, الرحلة من البداوة إلى الحضر.

د.طارق أبو غزالة


لعل من أمتع و أفيد ما شاهدت حديثاً مسلسل يوسف الصديق في رمضان. وبعيدا عن أي إشكال أو جدل فقهي يحرم أو يحلل المسلسل لتجسيد شخصية نبي الله يعقوب و نبي الله يوسف و رسول الوحي جبريل عليهم السلام فإن هذا المسلسل بحق من أهم وأخطر المسلسلات التي عرفت طريقها إلى المشاهد العربي والمسلم شيعيا كان أو سنيا, عربيا أو أعجميا و مردُّ تلك الخطورة هو السرد التاريخي لمرحلة هامة من حياة الإنسانية قدرت لها الحكمة الإلهية سورة كاملة في الوحي الخاتم تروي القصة كاملة.
والقصة كما نعرفها تقع في السورة الثانية عشرة في الجزء الثاني عشر و الثالث عشر من القرآن تقرأ في اثنتي عشرة دقيقة.

ولكن السرد الدرامي للمسلسل جاء في خمس وأربعين حلقة كلّ حلقة مدتها خمسون دقيقة.

هذا التفصيل جاء إما من كتب التفسير أو من استنتاجات منطقية تملأ الفراغات التي سكت عنها الوحي الإلهي.


والقصة هي قصة طفل غريب هو أعجوبة عصره في الجمال والذكاء و النبوغ حسده إخوته وزهدوا به فأصبح بسبب هذا الزهد و الحسد عبدا مملوكا ضعيفا بعيداً غريباً عن أهله ووطنه, في بيت عزيز مصر.

ولكن مع هذا الاستعباد جاء الانتقال من حياة البداوة إلى حياة الحضر. وهنا تتجلى تعقيدات حياة الحضر و سهولة وقوع الظلم بسبب طغيان القوي على الضعيف كيومنا هذا.

ولكن مع ذلك تبقى حياة الحضر أرفع درجة من حياة البدو ومحل شكر النعمة من الله كما يتجلى ذلك في آخر السورة إذ يخاطب يوسف أباه "وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو".

هما أمران إذاً من رحلة يوسف جعلهما رديفين و مناط إحسان الله له. الأول الخروج من السجن و الثاني أن جاء الله بأبويه و بإخوته من حياة البداوة إلى حياة الحضر.

وكأن ذلك المجيء هو خروج من السجن بحد ذاته يستأهل شكر المنعم.

هذه الحياة الحضرية سمحت في نهاية الأمر ليوسف العبد المملوك الضعيف أن يصبح عزيز مصر مكان الذي زَجَّ به في السجن من قبل دونما ذنب, وهذا ما يستحيل تحققه في حياة البداوة والقبيلة إذ يستحيل تقريباً أن تنحاز القبيلة إلى من هو خارج عنها ضد أحد أبنائها ناهيك عن أن يصل لأعلى المناصب فيها لأن في هذا تهديد لأهمّ سرٍّ من أسرار بقائها و إلا لما كانت القبيلة!

من هنا نعي الفهم العميق لجيل الصحابة الأول لقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" فالمنطق يوجب يومها أن يفهم الصحابة هذا القول ضمن السياق القبلي السائد وهم يرونه من حولهم كل يوم فاعلاً على أرض الواقع.

ولكن هذا الدرس من أهم الدروس التي على الجاليات المسلمة أن تعيه وهي تعيش في كنف حضارة الغرب بعد أن أحسن الله إليها وأتى بها من البدو حيث تسلط العوائل والقبائل على مقدرات البلاد والعباد مسخّرة لحفنة قليلة من الناس. ولعل قائل أن يقول ولكن ما تقول عنه أنه حضر أيضاً تتسلط عليه فئة الأغنياء و يدافعون عن مكتسباتهم بكل قوة و قسوة. ذلك صحيح.

ولذلك فإن قصة يوسف تعلم كيفية التعامل مع واقع كهذا دون تشنج ودون الوقوف على ما قد يثني عن الهدف الأساس وهو بث روح العدالة في المجتمع ورفع الظلم الواقع على الناس فيأتي التوحيد بعد ذلك كتحصيل حاصل.

تختلف تلك المعالجة عن معالجة مجتمع بدوي قبلي لا يقيم وزنا لقيم العدالة فكان لزاماً أن تجري فيه عملية مفاصلة ابتداءً لتغيير نظام إلى نظام, وهو ما جرى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ولكن مع الانتقال إلى مجتمع المدينة الزراعي ذي الأديان المختلفة من إسلام و يهودية تغير الحال مرة أخرى.

ففي مكة كانت المفاصلة واضحة و كان القرآن المكي يتنزل بتلك المفاصلة العقيدية على المسلمين وذلك كي يعرف من يدخل الإسلام أن التوحيد بيّن و الشرك بيّن. فلا لبس بينهما.

ومن ثمَّ كانت تواجه كل محاولات قريش في التلبيس على هذا البيان بالرفض القاطع بين هذين المفهومين. وكأنّ السياق التاريخي للإسلام يؤكد أن هناك أسساً في البناء لا ينبغي التفريط بها وإلا فرطت الهوية.

ولكن مع انتقال الرسول الكريم إلى حياة أكثر حضرية في مدينة ذات تشابكات دينية و اجتماعية

و سياسية تختلف عن نظيرتها في مكة فإن الخطاب القرآني المدني تحول ليعالج كل ما ينتج عن هذه التشابكات بعيداً عن خطوط المفاصلة في الحياة اليومية وإن بقيت تلك الخطوط واضحة كلما اصطدم المسلمون الموحدون بالمشركين اصطداماً عسكرياً وذلك حتى تبقى المفاهيم الحاكمة والمميزة للهوية هي الراسمة للإطار العام لتلك الهوية.

ولكن مع عودة الحياة في المدينة إلى طبيعتها يعود القرآن إلى استئناف إضاءته لشعاع التحضر

و المدنية في تشريعاته المعجزة الحاكمة بين الناس جميعاً في الدولة على اختلاف ألسنتهم و ألوانهم و أعراقهم.

و قصص الدعاوى المرفوعة من غير المسلمين على قادة المسلمين في تلك الدولة و الدول التي تلتها أكثر من أن تعدّ و تحصى.

ثم يكمل الهدي النبوي بعد ذلك الإضاءة ببيان تعدد وتشابك العلاقات " الحلال بيّن و الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات"

فتظهر الصورة داخل الإطار وقد تعددت ألوانها وتدرجات تلك الألوان وظهرت أن مساحات العفو في الشريعة هي الناظمة لتلك الصورة لمن يتأملها من بعيد.

وهنا تأتي أهمية قصة يوسف عليه السلام. فقصة يوسف هي قصة الحضارة تتنزل و تتلى في عهد القبلية والبداوة.

فيوسف ولد في البداوة و لكن سرعان ما انتقل إلى الحضارة وترعرع و نشأ فيها وهو غلام.

و أتاه الوحي وهو بين ظهراني تلك الحضارة فكان لا بد من معالجة مختلفة. فالمفاصلة التوحيدية مع الآخرين لا تظهر كما تظهر واضحة في مكة.

فالتوحيد يظهر إما في حنايا أدعية يوسف لله أوقات الشدة أو في زوايا السجن إذ يُسأل عن تعبير الرؤيا لنزيلين في السجن آخرين.

حتى في أحلك المشاهد و يوسف يُدعى إلى المعصية يقول "معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي" يختلف المفسرون من ربُّ يوسف المقصود هنا, أهو الله أم عزيز مصر؟ و بغض النظر عما قصده يوسف فالمعنيان مقبولان.

أما القرآن المكي فلا لبس فيه "أإله مع الله"؟

إذاً هي سورة الحضارة في عهد المفاصلة.

هي إذا دروس للمسلمين وهم بين ظهراني الحضارة غير المسلمة في كيفية التعامل معها. والواضح من تلك الدروس أمور عدة:

إن فرض العقيدة على الآخرين ليس من سنن الحضارة بل هو من سنن البداوة والقبلية. قريش أرادت فرض هبل و اللات و العُزّى على المسلمين و إخراجهم من دينهم و لو بكشط الجلود.

وكذلك فرض الأفكار على الآخرين ليس من سنن الحضارة بل من سنن البداوة حيث أفكار القبيلة وأفكار رئيسها هي التي يجب أن تسود.

ومن هنا نفهم رفض الإمام مالك بن أنس فكرة الخليفة أبي جعفر المنصور فرض كتابه "الموطأ" على باقي الأمصار وكأنها الحضارة تجسدت في مالكٍ ترفض بداوة و قرشية أبي جعفر المنصور. وهنا تتجسد فكرة عظيمة و هي كيف تقبلت الأمة ذلك الكتاب بعد رفض الإمام مالك فرضه فأصبح من كتبها الخالدة و لعمري لو رضي مالك بفرض الكتاب لأصبح الموطأ أثراً بعد عين.

ولعل فرض المذاهب يتبع تلك السنة وأقصد هنا فرض مذهب بعينه على جماعة محددة.

وهذا ما حدث في أميركا في الربع الأخير من القرن العشرين بمحاولة فرض مذهب الإمام أحمد بن حنبل والطريقة الوهابية على المسلمين هناك وذلك بما تيسر من أموال طائلة يسرت نشر منشورات المذهب وكتبه و أدبياته.

مرة أخرى البداوة تحاول فرض نفسها على الحضارة.

لعل مذهباً بعينه يكون ملائماً في زمان و مكان معينين و لكن لا يعني ذلك أن يكون المذهب كالقرآن الكريم ملائماً لكل زمان و مكان.

ومن تلك الدروس أيضاً أن ندع الحكم علينا إلى الناس ولا ننصب أنفسنا حكماً عليهم.

فالسنة الباقية في هذا المقام هي "فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" وذهاب الزبد و مكث النافع أنما يتم باختيار الناس بأنفسهم وهذه الآية من أعظم الأدلة على أن الناس ليسوا رعاع و لا دهماء و لا غوغاء.

ويوم أن يلفظ الناس حزباً إسلامياً من رأس هرم السلطة فليراجع الحزب نفسه و لا يراجع الناس.

أما تعامل البداوة والقبيلة اليوم مع الناس فهو أن الناس عالة على حكامها و أن هؤلاء الحكام نعمة الله إليهم تستوجب شكر المنعم. ولا بديل عن هذا الحاكم إلا ذريته!

ليست البلية في الحكام وحدهم بل في كافة الطاقم القبلي حول الزعيم شيخ القبيلة.


ونعود إلى يوسف عليه السلام المثال للعرب و المسلمين في بلاد الحضارة. فهو كان الموالي الخبير. إيمانه بالله في قلبه وعلى لسانه وولاؤه لمصر و حاكمها. أمّا عمله فعمّ نفعه الأمصار وعم المؤمنين و الكفار حتى وصل إلى الكنعانيين في فلسطين فأثمر ذلك أن جاء الله بأبيه و إخوته إليه ليعينوه على رسالة التوحيد

المواطنة و الوظيفة و تقرير غولدستون

المواطنة و الوظيفة و تقرير غولدستون

لا أعلم سبب هذا الغضب الكبير على محمود عباس و السلطة الفلسطينية لسحبها تقرير غولدستون من التصويت أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

لماذا هذا التحامل على محمود و السلطة؟

فداك دحلان و عبد ربّه يا سيدي الرئيس.

هل يحق لنا هذا التحامل على الرجل وسلطته؟

هل يستطيع الرجل حقاً التقدم بالمشروع بالتصويت؟ هل يعود ذلك له و لرئيس وزرائه السيد سلام فياض؟

هل يستطيع الرجل حقاً أن يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني؟

هل يستطيع الرجل حقاً إذا سِيمَ الخسف أن يقول بملء فيه لا؟!

هل يستطيع الرجل أن يقف أمام نتنياهو و يخالف له طلباً والرئيس أوباما ومن قبله الرئيس بوش لم يستطيعا مخالفة رئيس وزراء إسرائيل؟

لماذا نتوقع من محمود و من السلطة الوطنية الفلسطينية أي نصرة للشعب الفلسطيني؟

أليس توقع تلك النصرة من ذلك الرجل هو بحد ذاته غباء؟ ألسنا إذاً أغبياء عندما نغضب من محمود عباس؟

لو كان لأحدنا ولد ذو مستوى منخفض الأداء في المدرسة هل يعقل أن نغضب كلما أثبت لنا أداءه المنخفض بامتياز؟!!

أنما يغضب الوالدان عندما ينخفض أداء الولد المتميز حقاً.

وكذلك الشعوب, إنما تغضب على ساستها حين ينخفض أداؤها المتميز و تستبدل بهم قوماً آخرين ليرقـَوا بها ولا يكونوا أمثالهم.

أما نحن فمازال ساستنا يسوموننا سوء العذاب, يذبحون أبناءنا و وينهبون ثرواتنا, ويدمرون مستقبلنا بغية الحفاظ على الشركة (الشركة هنا بدل الكرسي, لأن حكامنا أصبحوا رؤساء شركات و ليسوا رؤساء دول) وما زلنا رغم ذلك نتمتع بكل صفات الموظف المطيع الذي يعمل في شركة الرئيس.

فلنواجه الحقيقة! نحن لسنا مواطنين أحراراً بل نحن موظفون عبيد في شركة خاصة وليس حتى عامة. و الموظف لا يحق له أن يتذمر من رئيس شركته و إلا كانت عقوبته الطرد من الشركة في أحسن الأحوال أما أسوأ الأحوال فعلمها عند ربي.

أما المواطن الحر فهو يؤمن أن رئيس الدولة موظف يعمل لديه و يسهر على راحته و راحة أسرته و ليس العكس.

فرق كبير بين الاثنين الموظف العبد و المواطن السيد.

وهنا تُحلُّ المعضلة (الفلسطينية) التي ورثناها من أيام الرئيس عرفات الذي كانت كل مقاليد الشركة بيده من أمن و أموال يوزعها على الموظفين فيشتري ولاءهم.

وعندما حوصر الختيار في مقاطعته في رام الله كان كل ما هو مطلوب عالمياً هو نقل الأمن و الأموال لرئيس الشركة الجديد, محمود! وبعد أن تم ذلك أصبح الولاء لمحمود.

وعندما الشعب يوما أراد الحياة و استجاب لذلك القدر وانتخب الشعب موظفيه لخدمته كما تفعل كل الشعوب المتقدمة كان لا بد من نقل الأمن و الأموال للموظفين الجدد. هنا قامت القيامة و لم تقعد. و منع محمود ذلك الانتقال بإيعاز من شركائه بعض رؤساء الشركات المجاورة وبإيعاز من رئيس الشركة العام في إسرائيل.

حتى أدعياء الديمقراطية الغربية أولئك المنتخبين بحرية على شاكلة حركة المقاومة الإسلامية ليخدموا شعوبهم لم يوفروا طريقة لتكريس هذا المنع.

كفانا إذاً تباكيا على ما أصابنا. كفانا دعاء على من ظلمنا. فلا التباكي ينفع و لا الدعاء يستجاب و نحن نبكي وندعو ليلاً, حتى إذا تنفس الصباح هرعنا إلى وظائفنا نقبل يد رئيس الشركة و ندعو له بطول العمر.

لن تـُحلّ مآزقنا ما لم نفهم دورنا مواطنين أحرار و ليس موظفين عبيداً.

الموظف عبد عند سيده والمواطن سيد نفسه. هذه أروع ثمرات الاستعمار. بث عبودية الموظف في كل نفس.

تجّارنا شركاء للرئيس. قواتنا وشرطتنا و جيشنا يعملون عند الرئيس لحماية أمنه الشخصي و لتحترق غزة بل ليبلعها البحر!

أساتذتنا ومدرسونا لايفتؤن يلهجون ليلاً و نهاراً بالثناء للرئيس و مكرمات الرئيس و هبات الرئيس.

علماؤنا ومشايخنا عبيد عند الرئيس و من لم يرضوا بأن يكونوا عبيدا لا يملكون من أدوات التجديد شيئاً لا مالاً ولا خيلاً إلا قولاً جميلاً لا يغني من الحق شيئاً.

رؤساءنا شركاء مع رؤساءهم ونحن عبيد لكلا الطرفين.

هذه الصورة تحلُّ إشكال القـُبل الحارّة بين "محمود و إيهود" (ينفع عنوان مسلسل لرمضان القادم من 30 حلقة مليء بالقبل الحلال بين الرجلين!). فهي قٌـبل الشريك لشريكه متمنياً له التوفيق في صفقاته على حساب شعبه. و من هنا نفهم صفقة الاسمنت, و الجوال, و الحليب. و من هنا نفهم صفقات إدخال الأغذية والأدوية لغزة عبر رئيس الشركة الغربية ( البلد المجاور لغزة غرباً)

ومن هنا نفهم التوريث. فمن يرث الشركة أكبر أبناء الرئيس البئيس و يبقى كبار الموظفين الذين يؤمنون انتقالاً سلمياً للشركة. أما صغار الموظفين -أي نحن- فنبقى صغاراً إلا من رحم رئيس الشركة فأكرمه و نعمّه فيقول ربي أكرمن!

ليس الغرض من كتابة هذه السطور هو لوم محمود أو غيره فلسان حال محمود و باقي رؤساء الشركات العرب يقول "ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" . الغرض الحقيقي من هذه السطورهو أن ينظر كل منا إلى المرآة ويحاول أن يتلمس ملامحه؟ هل يرى فيها موظفاً عبداً أم مواطناً حراً؟

كل الأدلة تشير أن الأغلبية منا سترى فيها موظفا عبداً لا يحسن إلا الحلب و الصرًّ. لذلك لا نستغرب طلب محمود وسلطته سحب التصويت على القرار في مجلس حقوق الإنسان.. ولعل له عذر في ذلك فهو إنما أراد تحويله إلى الهيئة العامة لحقوق الحيوان لأنه لم يعد يرى فينا حتى موظفين...!

أما القلة الباقية الحرّة فنراها يومياً في صحن المسجد الأقصى, وفي خنادق بغداد, وعلى رمال غزة وفي كفِّ منتظرٍ ثانٍ يرمي بحذائه محمود

التفكر و الحضارة والمسلم المعاصر

التفكر و الحضارة والمسلم المعاصر

الدكتور طارق أبو غزالة

أزمة العالم الإسلامي هي أزمة حضارية جوهرها فكري ولكن ذلك يحتاج إلى إيضاح.
فالعالم الإسلامي هو عالم غني تراثه ومعارفه وثقافاته، وهو عالم كان قد قاد العالم حضارياً في إحدى مراحله.
ولا يستطيع أحد أن يقود العالم حضارياً إلا إذا كان جوهره يسمح بتعدد الثقافات والاعتقادات والديانات في جو متسامح يكون فيه البناء هو الإطار الرئيس لتلك الحضارة ولِبُناتها.
إنّ استنكاف العالم الإسلامي عن قيادة الحضارة له عوامل مختلفة أهمها: خروج المسلمين من التاريخ وخروجهم من الجغرافيا وخروجهم من إنتاج العلم.
وقد بدأ هذا الخروج قبل حوالي خمسمائة عام عندما عزف المسلمون عن تطوير السلاح الناري لأنه كما اعتقدوا آنذاك يتعارض مع الشريعة السمحاء لقوته التدميرية الفتّاكة.
في نفس الوقت بدأ الغرب رحلته مع تطوير السلاح ومحاولة منعه عن الباقين وخاصة المسلمين، وبذلك غادر المسلمون التاريخ؛ بمعنى أنهم لم يعودوا صُنَاعا وكُتّابا للتاريخ، بل أصبحوا مادة مكتوبة يكتب لها القوي تاريخها ويشترط عليها ما يشاء. في هذا السياق يمكن فهم تكالب العالم الغربي اليوم لمنع إيران من الانضمام للنادي النووي ولو سلمياً.
بعد ذلك بدأ نمط تفكير المسلمين بالتغيّر؛ فبدلا من الإنتاج الجديد للمعارف أصبح جلّ ما يتناقله العلماء هو المعارف القديمة للتعليق عليها، وبدلا من البحث عن الأسئلة المهمة للزمان والمكان المعاصرة لأي عصر أصبح جلّ هم العلماء البحث عن الأجوبة في بطون الكتب الصفراء التي كتبت قبل قرون، كل ذلك في وقت كانت النهضة الأوروبية الفكرية تنبت من بذور الحضارة الإسلامية في المعارف والعلوم، وبذلك أفلت حضارة الإسلام وأشرقت حضارة الغرب. إن ما يهم الآن هو كيف نحيي و نجدّد حضارة الإسلام؟

طبيعة الذهنية التي تشكلها المنظومة الإسلامية
إن الذهنية التي تشكلها المنظومة الإسلامية اليوم تختلف اختلافاً جذرياً عن ذهنية المسلمين في الزمن الزاهر وأقصد بالزمن الزاهر الزمن الذي كانت ديار الإسلام تمور فيه بالعلماء من كافة الاختصاصات. ولعل مقارنة ذهنية اليوم بذهنية الأمس تلقي ظلالاً على الإجابة.
إن الذهنية الإسلامية في الزمن الزاهر لم تكن ذهنية القوالب الجامدة مسبقة الصنع، بل كانت ذهنية باحثة مبصرة. نظرت تلك الذهنية في القرآن فعلمت أن في الكون سنناً وقوانين فبدأت بالبحث عن تلك السنن والقوانين في كتاب الكون. لم يكن الأمر هو البحث عن الإجابات بقدر ما كان الأمر مساءلة الإجابات المسبقة، لذلك كان التأكيد القرآني على نبذ الآبائية "قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا" [سورة الأعراف / الآية: 69] "قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين".
والآيات التي تذم الآبائية العمياء كثيرة في القرآن. وسبب ذلك أن الآبائية تمنع من الإبداع لأن الأبناء لا يسائلون الآباء, والآباء لا يسائلون الأجداد فيبقى الأحفاد على ما كان عليه الأجداد. هذا يعني أن ثلاثة أجيال – أي قرابة قرن من الزمان- تدور في فلك الأجوبة نفسها دون تجديدها. ولذلك كان لابد من الفكر التجديدي دوماً لكل جيل يُسائل إجابات آبائه و أجداده. لذلك فإن من يجدد لهذه الأمة دينها ليس بالضرورة هو أحد يأتي على رأس كل قرن هجري أو ميلادي بل من يجدد لها دينها في كل وقت و حين, فينفض عن المائة عام التي خلت ما علق بها من شوائب لم تعد تصلح لزمنها. فعملية التجديد هنا مستمرة لا تتوقف. ولعل اختيار الرسول لقرن من الزمان لحدوث التجديد أن الإنسان عادة ما يعيش قرابة القرن من الزمان بين حياة مُعاشة حقيقية و أخرى عن طريق السماع المباشر من الجد و الجدة لما كان عليه زمانهم.
بعد مساءلة الإجابات القديمة مسبقة الصنع, انتقلت الذهنية الإسلامية الأولى التنويرية إلى البحث عن الأسئلة الكونية الجديدة التي تريد إجابات. لذلك أسس المسلمون الأوائل المنهج التجريبي وألفوا فيه فاكتشفوا كشوفات هامة ونوعية في كثير من العلوم مثل الطب والفلك والنبات والحيوان والأدوية والميكانيك.
أما الذهنية الإسلامية اليوم فهي ذهنية ردود الأفعال المعروفة مسبقاً دون أي إبداع. ذهنية التفكير أحادي الجانب أو النفقي - من النفق الذي لا يسمح بالرؤية الشاملة - الذي لا يرى المتغيرات والمستجدات في أي حادثة من الحوادث.
ومشكلة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم وكيفية التعامل معها مثال شاهد على ذلك.
فردُّ فعل المسلمين عموماً كان يمكن التنبؤ به في أي حال من الأحوال، لذلك سهل على الغرب التعامل مع المشكلة، بينما استعصى علينا ذلك، وتركزت ردود أفعال المسلمين على تكرار الدعوة للمقاطعة والتظاهرات في الشوارع دون أي شكل إبداعي في الرد على المشكلة.

هل هناك علاقة تلازمية بين التفكير والإبداع؟
الإبداع في أمر لابد أن يولد من رحم التفكّر في مشكلة أو سؤال، وملاحظة جميع جوانبه حتى يبدع العقل شيئاً جديداً على غير النسق القديم المعروف وهذا ما يسمّى بتزحّل النموذجParadigm Shift .
وبما أن الحرية أساس للتفكّر, والتفكر بوابة الإبداع فإن الإبداع أيضا مرتبط بالحرية؛ فهذه الثلاثية من الحرية، والتفكّر، والإبداع، لابد منها للخروج بأشكال وأساليب متجددة لحياتنا، فعندما تنعدم الحرية فإن هامش التفكّر يضيق وبذلك ينعدم الإبداع ولا يبقى إلا التكرار، لذلك نرى العالم الإسلامي اليوم يتغنى بمبدعيه المعاصرين الذين درس وعاش معظمهم في الغرب، فعاش هامش الحرية العريض ففكر وأبدع. وهذا الأمر ليس حكرا على ثقافة دون ثقافة بل هو سنة مطََّردة. ولذلك نرى أيضاً صعوبة تأقلم المبدعين من أبناء أمتنا عندما يعودون إلى أحضان الوطن بسبب ضيق هامش الحرية و التفكر مما يعني الحد من إبداعاتهم.
إن هدف التفكر الإبداعي هو الإجابة على أسئلة الزمان والمكان. هذه الإجابات قد تكون في صورة الدعوة إلى تجديد جذري في أنماط الحياة الأمر الذي قد يهدد المستفيدين من الوضع الراهن الذين يحاولون إبقاءه على حاله. وليس هناك أفضل من تضييق الحريات للمحافظة على الأوضاع الراهنة.

نوعية التفكير التي بإمكانها المساهمة في إبداع أشكال حضارية راقية

إن الأشكال الحضارية الراقية تنتج من عوامل متعددة وليس فقط من نوعية تفكير بعينها، ولكن غياب التفكير الإبداعي الحضاري لن يسمح لباقي العوامل بأن تنتج حضارة؛ بل لعلها تنتج مدنية فقط أو أبنية شامخة تصبح أثرا بعد عين بعد اندثارها، والقصص القرآني مليء بالقصص عن بناء المدن ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد.
إنّ التفكير الحضاري هو التفكير الذي يبدع البناء الحضاري ويحاول أن يحميه من أشكال الإفساد التي قد تهدمه. إن أحد أهداف حياة المسلم اليوم إذاً هو بناء الإسلام الحضاري، ولعل ما قاله شاعر الألمان المسلم غوته رحمه الله، يصف ذلك وصفا دقيقا: "إنني أحترم المرء الذي يعرف بشكل واضح أن الجزء الأكبر من الفساد في العالم ينشأ من حقيقة كون الناس لا تدرك أهدافها بشكل واضح، لقد تولوا بناء برج ولكنهم قاموا بوضع أساس لهذا البرج يكفي فقط لبناء كوخ".
إن بناء الإسلام الحضاري إذاً يجب أن يقوم على أساس فكري متين. بدون هذا الأساس الفكري المتين فإن البناء معرض للانهيار بسبب إفساد المفسدين. و يتجلّى ذلك بشكل واضح في الحوار الأول بين الله و الملائكة عند إعلان خلق آدم. "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" لم تنتف تلك التهمتان عن آدم إلا بعد أن عُلّـم الأسماء كلها "وعلًَّـم آدم الأسماء كلها" , و ثمّ بعد أن أنبأ عن هذا العلم على الشكل صحيح. "فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض"
إن العلم الصحيح ثم الإنباء عن هذا العلم على الوجه الصحيح هو الترياق للإفساد و سفك الدماء.
هذه الرحلة من بدء دخول العلم على الوجه الصحيح ثمّ خروجه بعملية الإنباء الصحيح هي رحلة التفكير الموضوعي الذي يحاول الإجابة على الأسئلة الملحّة.
إن التفكير الحضاري إذا هو تفكير تساؤلي يحاول أن يبحث عن أسئلة الزمان والمكان المعاصر ليجيب عنها ويبني الحضارة حولها. فهو يسائل كل شيء فأما الزبد فيلفظه وأما ما ينفع الناس فيبقيه. وهو تفكير تجديدي يركن إلى الأصول والمسلمات وينطلق منها في بناء تفاصيل جديدة. وهو تفكير نقدي يسائل إجابات الزمن الماضي ويستبدلها إن لزم ويسائل أجوبة الأزمنة الحديثة ليبين مدى متانتها للبناء. وهو تفكير تفصيلي ينتبه إلى التفاصيل الدقيقة في كل شيء ويكون منصفا عندما محاكمة تلك التفاصيل، فيشهد ولو على نفسه. وهو تفكير مرن، والمرونة لا تعني الذبذبة أو عدم القدرة على اتخاذ القرار بل المرونة هي القدرة على إحداث تغييرات بسيطة للحصول على نتائج أكبر أو للنجاة من كوارث كبرى، والقدرة على الموازنة الدقيقة بين المنافع والمفاسد. وقصة موسى عليه السلام والعبد الصالح خير مثال على هذا التفكير المرن.

يلاحظ أن العقل الإسلامي المعاصر مشدود إلى إبداعات السلف أكثر من حرصه على تجاوز هذه الإبداعات وإبداع أشكال حضارية جديدة.

عندما يضيق هامش الحرية و يغيب التفكير الحضاري فإن العقل الإسلامي يتراجع إلى الوراء تاريخياً ليصف إبداعات السلف لعجزه عن إنتاج الإبداع كَخَلَف. بل ويستشهد على ذلك بالأدلة عن تدني الحالة الإسلامية بتوالي القرون (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) والحديث بهذا اللفظ لا أصل له بل الصحيح (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)* وفرق كبير بين النصين. فخير القرون قرني يعني أن شكل القرن كما كان قبل 14 عشر قرناً هو خير الأشكال فيصبح محاكاة الشكل هو الهدف و ليس الارتقاء إلى درجة خير الناس قرني و هي الصيغة الصحيحة بحيث يصبح محاكاة الأفراد عبادة وعملاً و خلقاً هو الهدف. وبذلك ينتفي الإبداع عن القرون التي تلي القرن الأول. إن تعلق العقل الإسلامي المعاصر بالسلف طبيعي، فكل عقل يتعلق بتراثه بغض النظر عن الدين والعرق واللون، ولكن أن يصبح هذا التعلق هو الغاية، فهنا مكمن الخطورة. هناك من شباب المسلمين اليوم من يعيش في زمان ذلك السلف ولا يستطيع أن يغادره إلى الواقع؛ فترى لباسه واسمه وخطابه ينبع من القرن الأول وقد يعترض معترض على ذلك، ولكن إذا قرأت لعلماء القرون الزاهرة الإسلامية لوجدت أن المسلمين كانوا يعيشون في قرونهم لا في القرن الأول، فلباس أهل بغداد ودمشق والأندلس مختلف عن لباس القرن الأول ومؤلفاتهم وكلامهم فيها مختلف عن القرن الأول، فقد كان القرن الأول بالنسبة لهم ركناً شديداً يأوون إليه لينطلقوا منه إلى أركان الأرض والكون، ولم يكن ركناً يعيشون فيه حياتهم الدنيا أبدا.
إن الحياة الدنيا تُبنى من الحاضر وليس من الماضي، بل أقول إن بناء الحياة الدنيا اليوم إنما يٍُبنى من المستقبل باستشرافه لتحديد الاحتياجات المستقبلية اعتماداً على الأرقام و الإحصاءات كي نقوِّم واقعنا تجاهها بشكل دقيق.
إن القراءة السطحية للآية الكريمة في سورة نوح: "فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا" تربط الاستغفار بإرسال المطر وحسب، ولكن إن قرأت الآية بشكل أعمق تجد أن الاستغفار مدعاة لهطول المطر مدراراً. هذا المطر المدرار سيتحول إلى أموال بعد أن يروي الجنات المزروعة بسواعد البنين.
وحتى يتحقق ذلك أي تحول المطر إلى أموال لابد من إبداع طرق الزراعة والحصاد والتوزيع مع ملاحظة نقاء البيئة والأنهار التي هي بمثابة العصب والشريان لتلك الأموال المزروعة.
إن قراءة عميقة لتلك الآية تربط الغيب بالواقع، تربط الأسباب بمسببها، فالاستغفار من الإنسان لربه قد لا يبدو للناظر سببا لهطول الأمطار ولكنه للمسلم سبب أساس لهطول الأمطار، وهو يأتي في كل المراحل، ولكن الاستغفار وحده لا يكفي بل يجب الاستعداد لهطول نعمة المطر لتحويلها إلى قوة زراعية ومائية ومالية واقتصادية.
إن عدم الاستعداد لذلك قد يجعل من المطر قوة هدم لتحولّها إلى سيول جارفة، تجرف الأخضر واليابس. وأعجب من أنفسنا, نستسقي بصلاة الاستسقاء دون الاستعداد لاستقبال المطر. إنّ تطهير النفس و الاستغفار من الذنوب مع إعداد العدّة الكاملة لاستقبال نعمة المطر هو الذي يميز المسلم الحضاري عن غيره.
من هنا يمكن فهم تعامل المسلمين في العصر الزاهر مع تلك الآيات فأبدعوا في وسائل السقاية و الري, أما المسلمين اليوم فقد استوردوا المدنية و البنيان وعندما هطلت الأمطار وجدنا تلك المدنية و البنيان تسبح في الأمطار و الفيضان.
بقي أمر أخير. إن الآيات من سورة نوح هي خطاب نوح عليه السلام لقومه منذ آلاف السنين ولم يفهمها المسلمون الأوائل دعوة إلى العودة للعيش في ذلك الزمان ولكن فهموها سنناً كونية لا تحابي أحداً. إن إنسان القرن العشرين استطاع إنزال رائد فضاء على سطح القمر باكتشاف وفهم وتطبيق قانونين اثنين.

العوامل التي تحول دون وصول المسلم المعاصر إلى مستوى التفكير النقدي
التفكير النقدي أساس الإبداع والإنتاج في كافة مناحي الحياة و هذا النوع من التفكير يستلزم منظومة أخلاقية عند استعماله، ومن أهم أركان هذه المنظومة:
- الابتعاد عن الظنّ لأن الظنّ لا يغني عن الحق شيئا، وإن لزم الظنّ فيجب العلم أن النتائج ظنّية وليست قطعية.
- الابتعاد عن الأهواء عند معالجة الأمور لأن الهوى سيصدر أحكاما منحازة.
- استحضار التقوى في كل الأمور لمنع الهوى والظن ما أمكن.
- الاعتقاد أن ما كلفنا به ربنا في وسعنا, لأنّ الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
- الابتعاد عن التعصب والمبالغة ونفخ الذات والنرجسية، والظن أن الكون لا يدور إلا من حولنا وأننا مركز الكون. بحيث يصبح المسلم منسجماً مع نفسه ومع محيطه، ويصبح المسلم إنساناً كونياً ذا وعي عالمي يؤثر فيه برفق يدفعه حيث يريد.
- عدم الكيل بمكيالين عند محاكمة الأمور.
- الإيمان بأن العلاقات بين البشر يحكمها قانون التدافع وليس نظرية المؤامرة. لأن الإيمان بنظرية المؤامرة يدعو إلى الشلل الحركي بينما العمل بقانون التدافع يؤدي إلى درء الفساد "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" [سورة البقرة / الآية: 249].
"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا" [سورة الحج / الآية: 38]. فسنة التدافع هذه تدرء المفاسد وتجلب المصالح وهو فضل من الله على العالمين.
محاولة الابتعاد عن ردود الأفعال الآنية دون دراسة الأفعال التي أدّت إليها دراسة سببية متأنيّة. إن التحول من التفكير السببي المتأنّي إلى التفكير الحدسي الآني قد أصبح سمة العصر اليوم لا سيما بين الشباب. أحياناً يحتاج الإنسان إلى اتخاذ قرارت آنية ولكن البناء الحضاري لا يتحمل مثل هذا النوع من التفكير بل قد يتعرّض للانهيار لأن التفكير الحدسي غالباً ما يكون فردياً بينما يكون التفكير السببي جماعياً شورياً والحضارة لا تُبنى بحدس فرد بل بشورى الخبراء.



* رواه البخاري (2651) ومسلم (2535) عن عمران بن حصين