السبت، 5 يوليو 2014

"فلمّا أنبأهم بأسمائهم"
د. طارق أبوغزالة


لم تكد الملائكة تسمع الله يخاطبها قائلاً: إِنِّيْ جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيْفَةً...  معلناً بذلك عن ولادة الإنسان ليكون خليفة في الأرض حتى تساءلت متعجّبة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ

إنها تهمتان إذاً تتهم بها الملائكةُ آدمَ حتى قبل أن يصبح خليفة ويتسلَّم مهامه في الأرض, تهمة الإفساد وتهمة سفك الدماء.

التهمة الأولى الإفساد وهو بمثابة مقدمة لكل ما ينتج عنها حتى يصل الإفسادإلى ذروته المتمثلة بسفك الدماء. 
الإفساد مقدمة, وسفك الدماء نتيجة له, بل أفظع نتائجه. ومابين المقدمة والنتيجة حياة كاملة من الشر تخيلها الملائكة ورموا آدم بها. 
لكن الله لم يكن ليخلق آدم ويجعله خليفة من دون إعداده لتحمل مسؤوليات الاستخلاف 
فيجيب الله الملائكة: قَالَ إِنِّيْ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُوْنَ. البقرة 30

وتبدأ عملية إعداد آدم وتأهيله ليصبح أهلاً لتحمل الأمانة بخطوتين اثنتين: 
وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا... البقرة 31 
إنها الخطوة الأولى في عملية الإعداد في إشارة إلى أن هذه العملية لا بد لها بداية من تعليم كامل للعلم مع كل ما يحيط به من أسماء ومصطلحات ومعانٍ.  

ليس المهم هنا ماهية الأسماء التي تعلمها آدم فالله تبارك وتعالى سكت عن هذه الماهية. وقد فصل المفسرون في هذه الأسماء إلا أن ذلك يبقى رجماً بالغيب, وحيث أن الله لم يطلعنا على هذا الغيب فلا مجال لأحد أن يكون قد عَلِمَه من غير هذا المصدر.
إنها إذاً عملية إدخال المعلومة؛ الخطوة الأولى في عملية البناء.
واستكمالا لهذه الخطوة يسأل الله تبارك عزوجلّ الملائكة: 
...فَقَالَ أَنْبِئُوْنِيْ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ.. البقرة 31 
لكن الملائكة توقفت عن ذلك لأنها لم تتعلم تلك الأسماء: 
قَالُوْا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا.. البقرة 32 
في إشارة تعليمية بالغة الأهمية تستكمل الخطوة الأولى وتهيئ للثانية. وهي واجب التوقف عن الإدلاء بأي معلومة حين تغيب عن المسؤول عنها. فلو علم الملائكة تلك الأسماء لأنبؤوا عنها فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. 
بعد ذلك مباشرة ينتقل الخطاب الإلهي إلى الخطوة الثانية في عملية تأهيل آدم وهي
"قدرة المتعلم بعد التعليم على الإنباء بشكل صحيح عما تعلمه"
قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ... البقرة 33
استعمل البيان الإلهي لفظ الإنباء لما يحتويه من دقة في نقل المعلومة تشهد بذلك مواضع هذا اللفظ الأخرى في القرآن الكريم:
عمّ يتساءلون عن النبأ العظيم.
ولا ينبئك مثل خبير.
قالت من أنبأك هذا, قال نبأني العليم الخبير.
فالإنباء إذاً هو الخطوة التالية في عملية التأهيل. ويكوِّن مع العلم الضمانة الكاملة التي تقوم في وجه الإفساد وسفك الدماء حين حدوثهما.
وهنا وبعد أن يتم آدم اختباره بنجاح وينبئ عما تعلمه على الوجه الصحيح يبادر البيان القرآني: 
فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... البقرة 33
إنه الإنباء عن العلم إذاً الذي يميز الإنسان الذي يستطيع مقاومة الإفساد وإصلاح ما نجم عنه.
فصّل المفسرون كثيرا في معاني "الأسماء كلها" رغم أنها من علم الغيب, لكنهم لم يفصِّلوا في معاني "فلماّ أنبأهم" وهي الشرط المتمم لعملية تأهيل آدم التعليمية التي جعلته أهلا للاستخلاف في الأرض وعمارتها ونفي تهمة الإفساد وسفك الدماء عنه .
هذه الرحلة التي تبدأ بتعلم العلم وأسمائه مفرادته في الحياة ومن ثم النضج فيه والتمكن منه ليصل إلى درجة الإنبائية من دون تحريف أو تشويه هي رحلة الموضوعية في القرآن الكريم التي تبدأ بـ:
إني جاعل في الأرض خليفة ...
ولا تنتهي إلا والله يقول:
اليوم أكملت لكم دينكم. 
إن العلم والإنباء ضرورة لا بد من منها لمحاربة الإفساد وسفك والدماء. ولو تمعنا قليلا في هذين المعنيين لرأينا أن إتمام العناصر المكونة لهذا النموذج ضروري جدا لفهمه بشكل كامل. 
فالعنصر الأول كما أسلفنا أعلاه هو نموذج العلم والإنباء الذي مثَّله آدم عليه السلام فاستحق بذلك شرف الاستخلاف في الأرض.
أما النموذج الثاني فهو نموذج الملائكة الذين لم يؤتَوا علم الأسماء فتوقّفوا عن الإنباء عنها إذ سُئلوا. وهذا النموذج يمثله قولهم"لا علم لنا"
إنه نموذج لا يؤدي إلى الإفساد وسفك الدماء لكنه نموذج حيادي لا يستطيع محاربتهما والانتصار عليهما.
أما النموذج الثالث فهو نموذج من يؤتى علم الأسماء لكنه يستنكف عن الإنباء عنها إذ يُسأل.
إنه نموذج كاتم الشهادة الآثم قلبه.
نموذج سيؤدي إلى الإفساد وسفك الدماء. 
أما النموذج الرابع والأخير فهو نموذج ذلك الذي لم يؤت علم الأسماء لكنه رغم ذلك ينبئ عنها من غير علم حين يُسأل.
إنه نموذج شاهد الزور الذي يشهد زورا بما لا يعلمه.
إنه الوجه الآخر لكاتم الشهادة.
وما بين شاهد الزور وكاتم الشهادة تدور أركان الشر والإفساد وسفك الدماء في هذا الكون, والأمثلة على ذلك كثيرة لا تنتهي بقتل فرد من الأفراد فحسب لكن باستعباد الشعوب تحت المسميات الكاذبة وقتل الناس جماعات بعد اختراع التهم لهم ورميهم بها جزافا.
إن استخلاف آدم في الأرض ليست عملية متروكة للمصادفة, وليس مدعاة للإفساد وسفك الدماء كما ظنت الملائكة, ولكنه على العكس تماما, عملية محكمة مفصلة بقواعد وسنن اجتماعية وعلمية تلاحق الإفساد وتحاصره وتقلل من نتائجه وما قد يؤدي إليه من شرور.
وهنا ملاحظة أخيرة لتبيين دور آدم في هذه الحياة. الملائكة ظنت أن خلق آدم سيؤدي إلى الإفساد وسفك الدماء. ولكن لما تبين لنا أن خلق آدم إنما هو الذي سيمنع ويضاد ذلك, ولما كان عكس الإفساد هو الإصلاح, وعكس سفك الدماء والموت هو الحياة, فإن مهمة آدم بالتعريف إنما هي "إصلاح الحياة". إنّ فهْمنا لذلك سيؤدي بالضرورة إلى أن نفهم أن إصلاح الحياة عملية مستمرة لن تتوقف طالما أن هناك إفساد وسفك للدماء.
سؤال أخير: أي نموذج من هذه النماذج الأربعة أنت؟





السبت، 28 يونيو 2014

الفتح باللسان والفتح بالسنان

د. طارق أبو غزالة


عرضت على صفحتي في الفيسبوك فيديو للدكتور عدنان إبراهيم يقول فيه رأيه عن الفتوحات الإسلامية. الرابط في أسفل المقال.
أرى أن هذا الفيديو ذا السبع دقائق أثار جدلا بين من شاهده. ولي على ذلك عدة ملاحظات:

أولا: الدكتور عدنان إبراهيم مختلف في طرحه عن كثير ممن سمعنا وقرأنا لهم وليس المقام عنا للدفاع أو الهجوم على الدكتور عدنان.

ثانيا: هناك فعلا أمور يطرحها الدكتور عدنان قد لا نوافق عليها. لكن ذلك لا يعني كما يحلو للبعض أن يقول أنه  يدس السم في الدسم لأن تلك المقولة تستلزم تخوينه وأنه داهية منافق حاقد على الإسلام وهذا يحتاج لدليل.

ثالثا: الدكتور في مقاربته في هذا الفيديو يحاول أن بفصل بين نوعين من الفتح الإسلامية.

أ‌-        الفتح الراشد
ب‌-     ما سوى ذلك من الفتوح.
فهو يقول أنه ليس متعاطفا مع النوع الثاني من الفتوحات بمجملها لأنه يعتبرها توسعا إمبراطوريا تنطبق عليها قوانين وسنن القوة والتوسع التي تنطبق على كل الامبراطوريات رغم أنه يلاحظ كما يقول أن الدولة الأموية والعباسية تميزتا عموما برحمة كبيرة فيما لو قارنهما بحال توسعات الامبراطوريات الأخرى.



رابعا: يستشهد الدكتور عدنان بالعلامة المؤرخ حسين مؤنس 1911-1996  صاحب المؤلف الشهير "أطلس تاريخ الإسلام" -انظر الرابط أسفل- ومؤلف "الإسلام الفاتح" والذي ميز فيه بين نوعين من الفتح وملاحظة مؤنس أن الإسلام حيث انتشر بالدعوة مكث في الأرض, وحيث انتشر بالسيف تراجع وانحسر. هذه الملاحظة لا أعتبرها إطلاقية, لكني أقول أن الفتح الذي انتشر في العصر النبوي والراشد مكث في الأرض غالبا لأن الناس أحست رحمة الإسلام قولا وفعلا فأصبحت جزءا من الدولة تتساوى مع باقي من رعاياها دون تمييز.

هذا الأمر غاب تدريجيا في الدولة الأموية من ثَمّ العباسية حيث ظهرت النزعة العربية القرشية في الأولى, بينما برزت الدعوات الشعوبية في الثانية كرد فعل على الأولى. أما في المراحل المتأخرة من تاريخ المسلمين فقد انحسر الإسلام عن معظم الدولة العثمانية اللهم إلا البوسنا وألبانيا, فيما انحسر الإسلام عن كامل الأندلس.
هذه وقائع وليست تخمينات. ما نحتاجه اليوم هو أن ننكب على دراسة هذه الظواهر. لماذا مكث الإسلام في بلاد فيما انحسر عن أخرى. ما هي خصائص الدولة الراشدة التي تمكنت من ترسيخ الإسلام حيث وصلت إليه. إن مما يمكن أن يفسر به هذه الظاهرة هو الحرص الشديد للخلفاء الراشدين (بمن فيهم الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه) على آلية معينة للفتح لا يحيدون عنها.
1-      الدعوة إلى الإسلام وقبول الشراكة المتساوية في الحقوق والواجبات في دولته.
2-      دفع الجزية أو الضريبة في حال رفضوا الدعوة.
3-      القتال. 
هذه الآلية هي التي ثبتت دعائم الإسلام في تلك الدول المفتوحة وفي معظم الأحيان لم يحتج المسلمون إلى أكثر من الدعوة إلى الإسلام. ولكن خلال الدولة الأموية ظهرت هناك بوادر خلل في تلك الآلية حين لام بعض عمال الأقاليم  الخليفة عمر بن عبد العزيز على سياسة رفع الجزية عمن أسلم ، ولكن عمر جابههم بالقول الفصل : " ضع الجزية عمن أسلم قبح الله رأيك ؛ فإن الله إنما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ولم يبعثه جابيا ، ولَعَمري لعُمرُ أشقى من أن يدخل الناس كلهم في الإسلام على يديه "  .
كما ظهرت بوادر الخلل عند بعض القادة العسكر كما حدث في فتح سمرقند حين حاد القائد العسكري قتيبة بن مسلم الباهلي عن هذا الترتيب فغافل أهلها ودخل البلاد حربا عنوة. وباقي القصة معروفة من شكوى أهل سمرقند عما حدث لهم للخليفة عمر لهم حيث أرسل قاضيا للتحقق من الموضوع. وحين تيقن القاضي من صدق أهل سمرقند أمر الجيش بـأن يفكك منظومته ويخرج خارج البلد ثم يعيد الكرة لكن حسب الشروط المعروفة. وقبل أن ينتهي الجيش من تفكيك نفسه كانت سمرقند قد دخلت في الإسلام لما رأوا أن قاضيا ضئيل الجسم لا حول له ولا قوة يحكم على جيش جبار فأيقنوا أن ليس بعد ذلك من حاجة للإنسان إذ أصبحت حقوقه مصانة من هجوم السيف.

https://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=nSrRbQnQJWU





الأحد، 30 مارس 2014

المواطن أبو طالب في المدينة المنورة

د. طارق أبو غزالة

"أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه"
حديث بديع للرسول الكريم يتجاوز مسألة التكفير إلى مسألة أعمق منها وهي الأمن الفكري للأفراد. فليس أقسى على الإنسان أن يتم اتهامه بتهمة خطيرة تجعله خارجا عن النسيج الواقي للأمة.
ففي صدر الإسلام كانت مسألة الكفر والإيمان إحدى المسائل الفاصلة التي تميز بين المؤمنين وغيرهم. لكن هذا التمايز كان غرضه الحفاظ على نسيج الجماعة المؤمنة من ضربات قريش القاصمة التي كادت تطيح بهذه الجماعة الفتية لولا صلابة إيمانها. ومع ذلك فقد اتسعت الجماعة المؤمنة لغير المؤمنين رغم أن دين هؤلاء كان على دين قريش وأولهم أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمؤمن وغير المؤمن قد ينتميان للأمة لكن ليس الانتماء هنا رهنا بكفر أو إيمان لكنه رهن بالولاء لهذه الأمة بكل مقوماتها وكل أفرادها. 
ولعل هذا السبب ذاته هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يشيح بوجهه عن وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه رغم أنه آمن ورغم أن الإسلام يجبُّ ما قبله, وكأن النبي يقول له, نعم دخلت الإسلام مؤمنا كامل الحقوق لكنك مهما يكن دخلته ناقص الولاء للأمة وليس لك علينا نفس الحقوق القلبية كما هي لغيرك . ولعله نفس السبب الذي فهمه الفاروق عمر تجاه قاتل أخيه زيداً وقد كان رضى الله عنه شديد الحب لأخيه زيد بن الخطاب, فلما قُتل زيد دخل القاتل في الإسلام.
فقال له عُمر بن الخطاب : والله إني أكرهك كراهية الاْرض للدم المسفوح.
فقال له الرجل : اْيمنعني هذا حقاً من حقوق الإسلام. 
فقال له عُمر: لا.
فقال الرجل: ما لي ولحبك, إنما تبكي على الحب النساء. 
فقال له عمر: لا تُرني وجهك أمامي في طريق.

في هذا السياق عاشت أمم كثيرة في ظل الإسلام ولم تثر تلك الأمم على الحكام إلا عندما ساموها الخسف والظلم والعنت, وميزوا بين طوائفها وأعراقها فقرّبوا أمما وأبعدوا آخرين, فكان من جراء ذلك تفتت تدريجي بطيء ما لبث أن تسارع حتى انكشفت الدولة أمام الغزاة فدخلوا محتلين. تكرر حدوث ذلك مع تكرار الظلم وفي كل مرة كانت الأمة تعود عقودا للوراء, آخرها كان عندما احتلت أمريكا العراق وقبل ذلك معاهدة سايكس بيكو وتقسيم المشرق العربي ووضعه تحت الانتداب الاستعماري

في كل هذه الكوارث كانت قضية التفرقة والتمييز بين أبناء الأمة هي الحلقة الأضعف التي تدخل منها باقي القوى العالمية إلى حمى البلاد. 
إن التمييز بين أبناء الدولة الواحدة واتهام فئة منهم اتهامات تخوينية تخرجهم عن الانتماء لها هو أخطر ما تواجهه الدول, وقد يعصف بها وينهيها إن لم يتدارك حكماؤها ذلك ويعيدوا الأمور إلى نصابها. حدث ذلك الأمر أيام الخليفة المأمون بقصة خلق القرآن والتي امتدت لأيام الخليفة الواثق والتي اصبحت هي معيار الانتماء للأمة بعوامها وعلمائها.  ثم كان أن انتهت تلك الفتنة بمناظرة بسيطة للشيخ الآذرمي مع أحمد بن أبي دؤاد. وكانت تلك الفتنة التي استمرت قرابة ثلاثة عقود من أهم العوامل التي أضعفت الدولة العباسية وغيرت منحنى صعودها إلى هبوط تدريجي ما لبث أن تسارع حتى أودى بالدولة.
.  
أما في التاريخ الحديث لغير المسلمين فتبرز قصة السيناتور جوزيف مكارثي الذي سلط تهمة الانتماء للشيوعية على رقاب الأمريكيين في منتصف القرن لعشرين والتي أدت في مرحلة من مراحلها أن ينتحر فقط من يرد اسمه في لوائح اتهام مكارثي.
هذه الأزمة كادت أيضا أن تودي بالنسيج الاجتماعي لأمريكا لولا مداخلة قصيرة لجوزيف ويلش محامي وزارة الدفاع في جلسة استماع في الكونغرس أنهت المكارثية وطوت صفحتها. ولو لم تكن أمريكا في منتهى قوتها حينئذ لكانت هذه المحنة كافية لتغير منحنى صعودها. ولعل ما جرى أيام جورج بوش الابن من تمييز ضد المسلمين هو بداية لتغير هذا المنحنى وبدء انحدار المنحنى البياني لأمريكا.

واليوم تمارس نفس العقلية المكارثية والمعتزلية جريمة التعريض بشريحة واسعة من المجتمع في عالمنا العربي على مستويين متقابلين.
المستوى الأول تمارسه الدولة الاستبدادية العميقة ضد الذين ثاروا عليها في ثورات الربيع العربي. فاجترحت تهمة الإرهاب بعد أن استعارتها من جورج دبليو بوش واتهمت بها كل من لا يوافقها وجعلت من هذه التهمة ذريعة للقتل والسجن والتشريد والنفي والاغتصاب. 
أما الطرف المقابل لذلك فهو التكفير لكل مخالف في الرأي وإخراجه من الملة وجعل ذلك ذريعة لإهدار دمه وحز رأسه وتمثل القاعدة وتفريعاها مثل داعش وغيرها النموذج الحي لذلك. ومابين هذين الفريقين المتقابلين  طُحنت جماهير غفيرة وجدت نفسها إما إرهابية أو كافرة بينما كان جل حلمها أن تحيا دون أي قيود تنعم بحريتها التي وهبها الله لها.
واليوم أيضا تواجه الجماهير التي خرجت تطالب بحريتها أقسى اختبار لها خاصة في مصر وسوريا. ولعل الخطاب الثوري للثورتين لم يكن جامعا لكل طوائف المجتمع ما أخر النصر في سوريا, ونكص به إلى الوراء في مصر.
ففي مصر ورغم أن "أفعال" الرئيس مرسي كانت تجميعية على المستوى المحلي والعربي والاقليمي, إلا أن خطاباته لم توح بذلك أبدا, بل ضربت على وتر حساس عند المصريين كلما خاطبهم الرئيس بمقولة "أهلي وعشيرتي" وكأن المصريين أعضاء في أسرة في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين. في مقابل ذلك, كان الخطاب التجميعي للرئيس عبد الناصر "يا جماهير الأمة العربية من المحيط إلى الخليج" يلهب الشعوب العربية رغم أن أفعاله كانت إقصائية واستعلائية لدرجة كبيرة, الأمر الذي حدا بالسوريين مثلا  إلى الانفصال عام 1961 بعد أقل من ثلاث سنوات على الوحدة مع مصر بسبب الفوقية التي لمسوها من عبد الناصر ونظامه. 
أما في سوريا فرغم تضحيات السوريين الهائلة للحصول على حريتهم في وجه نظام استبدادي,  فقد تفرقت قوى المعارضة في حارة كل مين إيدو إلو على كل المستويات السياسية والعسكرية والإغاثية والإعلامية. فخسر السوريون تعاطف العالم معهم , فيما استطاع النظام السوري الحفاظ على صورة تجميعية وخطاب موحد لكافة السوريين حافظ بها على رصيد ولو ضئيل مكنه من الاستمرار لثلاث سنوات رغم كل ما عصف به من فضائح.

وفي المقابل تظهر قوة الخطاب التجميعي على أعلى المستويات في الغرب. ففي أمريكا مثلا نرى كيف ألهب السناتور باراك أوباما حماسة الأمريكيين بخطابه عام 2004 خلال مؤتمر الحزب الديموقراطي لترشيح السيناتور جون كيري لرئاسة أمريكا , حيث كان الاستقطاب والانقسام الشعبي على أشده بين الأمريكيين حين خاطبهم قائلاً: لا يوجد هناك الولايات الحمراء الأمريكية والولايات الزرقاء الأمريكية -في إشارة إلى لون كل من الحزب الجمهوري والديموقراطي- لكن هناك الولايات المتحدة الأمريكية, الأمر الذي ولّد موجة شعبية عارمة لم تستقر إلّا وقد نصّبت أوباما على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض خلال أربع سنوات. لا يعني ذلك أن خطابا تجميعيا واحدا لرئيس يمكن أن يخرج دولة من مأزقها, لكن خطابا تشتيتيا واحدا لرئيس يمكن أن يودي بها إلى التهلكة.


إن الحفاظ على الوحدة الوطنية لكافة السوريين ضرورة لا بد منها في عالم اليوم وإلا كانت النتيجة مزيدا من التقسيم حسب الخطوط القبلية والإثنية والعرقية والدينية. يظهر ذلك جليا في خرائط تقسيم سوريا التي بدأت تنتشر حسب حدود رسمت تبعا للانتماء الإثني أو الديني. 
آن الأوان لهذا الشعب أن يعلم لو أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم عاش إلى يوم الهجرة وهاجر إلى المدينة لاستمر اعتباره من هذه الأمة ولو بقي على كفره, لأن الله قد كفل له حرية الإيمان أو الكفر به ولم يجعل هذا الإيمان هو مقياس الولاء للأمة.






الأحد، 26 يناير 2014

يا كييف حنا معاكي للموت

يا كييف حنا معاكي للموت
طارق أبو غزالة





ليس من الضروري اليوم أن يكون المرء خبيرا بالسياسة الخارجية كي يستطيع ربط  الأحداث  ببعضها واستقراء بعض النتائج لأننا في مرحلة نستطيع فيها استدعاء مسلمات جديدة ظهرت خلال العقدين الأخيرين لتعيننا على الفهم.
من هذه المسلمات اليوم أن أي قوة عظمى مهما كانت لا تملك قوة لا نهائية بل قوتها محدودة. اكتشفت أميركا ذلك في حربها الثانية على العراق عندما غاصت في مستنقعها لأنها فتحت الحرب في وقت كانت مازالت تخوض حربها في أفغانستان ضد طالبان.
خسرت أميركا في حربها أكثر من تريليون دولار كانت في أمس الحاجة إليها عندما ترنح اقتصادها عام 2008 تحت وطأة أزمة العقار الاقتصادية التي هوت بأمريكا من علياء القطب الأوحد وسمحت بصعود قوى عظمى متجددة أهمها التنين الصيني والدب الروسي إضافة إلى قوى صاعدة صغيرة جديدة مثل البرازيل والهند.
مايهم من هذه المسلمة ليس أمريكا بل روسيا. فما ينطبق على أمريكا كقوة عظمى ينطبق بالضرورة على روسيا. فروسيا اليوم لا تستطيع فتح جبهات متعددة في وقت واحد. لذلك فهم الروس خطورة الربيع العربي وكانوا من الذين شاركوا بشدة في محاولات وأده بحجة محاربة الإرهاب الهلامي. استطاع الروس تمرير ما يريدون في سوريا والضغط على أمريكا التي لم تستطع الممانعة لضعفها النسبي الناجم عما ذكر آنفا.
اليوم نفهم لماذا استأسد الروس في عملية وأد الثورة السورية. ولمحاولة فهم ذلك سأستعمل الأرقام فإذا علمنا أن درعا التي اشتعلت فيها شرارة الثورة الأولى تبعد عن مدينة القامشلي حوالي 850 كم, ونعلم أن القامشلي تلقفت الشرارة في بدايات الثورة وخرجت جماهيرها الكردية السورية تطالب برفع الظلم عن درعا "يا درعا حنا معاكي للموت"
وإذا علمنا أن كييف تبعد عن موسكو تقريبا 850 كم, وعلمنا أن هناك ثورة اشتعلت في كييف تطالب برحيل زلمة روسيا في أوكرانيا, نستطيع بذلك أن نفهم لماذا تحاول روسيا اليوم جاهدة اليوم وأد الثورة في أوكرانيا بسرعة قبل أن تصل الثورة إلى ديارها ويخرج الموسكيون ينادون "سفابودا حرية" كما خرج الأكراد ينادون آزادي حرية.



إن خوف روسيا من انتقال الثورة إلى ديارها ليس وهميا بل حقيقة ماثلة في أذهان بوتين وعصابته. سمعنا بذلك في بدايات الثورة في سوريا لكن آثرنا أن لا نصدقه بسبب بعده واستحالة حدوثه في مخيلتنا, لكنه لم يكن كذلك في مخيلة حكام الكريملين. وما يحدث اليوم في أوكرانيا يؤكد ذلك.

إن غرض استعراض موضوع الثورة في كييف ليس من باب الترف الفكري, لكنه ضروري اليوم لفهم ديناميكية المفاوضات في مونترو.





فروسيا لا تستطيع تحمل عبء ملفين كبيرين سوريا وأوكرانيا, خاصة وهي مقبلة على دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي التي كلفت خزينتها خمسين مليار دولار في وقت كان ما رصد لها هو 12 مليار دولار فقط.

دورة سوتشي ستستنزف روسيا أمنيا في شهر فبراير القادم وقد يكون ذلك القشة التي ستقصم ظهر الدب. وقد بدأ القلق يتسرب إلى الدول المشاركة خاصة بعد التفجيرات التي حدثت في الدول المحاذية لروسيا في مكان ليس ببعيد عن سوتشي وبعد أن تسربت أنباء عن أن هجمات إرهابية قد تحصل في سوتشي خلال سير الألعاب.
إن الأسابيع القادمة حاسمة في مسار المفاوضات السورية السورية. يجب أن تعي المعارضة أنها اليوم في وضع قوي يسمح لها بأن ترفع سقف مطالبها, إن لم يكن بسبب التضحيات الجمة للشعب السوري, فبسبب القلق الروسي الحقيقي مما يحدث في كييف.
إن انسحاب الوفد السوري المعارض ردا على دعوة إيران لجنيف 2 أجبر الولايات المتحدة على التدخل السريع والحاسم بسحب الدعوة خلال أقل من 24 ساعة من توجيهها. والآن وقد انطلق قطار المفاوضات وفي ظل كل الأوضاع الدولية الراهنة وضغوطها على روسيا, تستطيع المعارضة أن ترفع سقف مطالبها بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي لتصبح هي الجهة الشرعية المخولة بتطبيق باقي بنود الاتفاق من إطلاق سراح المعتقلين, ودخول المساعدات الإنسانية وإعادة المهجرين إلى ديارهم -بدل إخراجهم منها كما حدث في حمص البارحة. كل هذا يحتاج إلى شجاعة لا يعدمها السوريون. 

 من هنا يجب أن يكون الشعار الجديد للشعب السوري خلال المفاوضات
 يا كييف حنا معاكي للموت.
لعل ذلك الاسم يكون من نصيب الجمعة القادمة 
وليشرب بوتين وباقي الرفاق البحر


الأربعاء، 22 يناير 2014

العوامل الثلاثة التي حسمت جولة مونتيرو الأولى

د. طارق أبو غزالة


فعلا ما حصل خلال 48 ساعة الماضية كان حاسما في قلب كثير من الموازين والحسابات في مونتيرو 1.
ثلاثة عوامل كان لها تأثيرا هائلا فيما حدث.

1- سحب الأمم المتحدة دعوتها لإيران لحضور المؤتمر. فرغم أنني لست مقتنعا بالفكرة وكنت أحبذ أن تحضر إيران وتجلس في مقابلة وفد الثورة لأن الصورة عندها ستكون أكثر تمثيلا لما يحدث على الأرض فدور إيران فيما يحدث هو مربط الفرس وليس للنظام فيها ناقة ولا جمل, بل النظام مثل حذاء رئيس وزرائه السابق محمود الزعبي الذي أهداه إياه حافظ الأسد بدون شواطات كي لا يحل ولا يربط.
على كل حال فإن سحب دعوة إيران في هذه المرحلة أطاش حجر مفاوضي النظام لأنهم على ما يبدو كانوا قد جهزوا أنفسهم على وجود إيران وتلقينهم فن التفاوض فاستفاض المعلم في الوقت ولم يدر أن الناس الحاضرة تحترم الوقت وأنك لو كنت خطيب الثورة الفرنسية المفوه "ميرابو", بمجرد تجاوزك للوقت ينسى السامعون كل ما تقدمت به ويبدؤون بالتململ. حتى الوزير الزعبي بدا مذهولا خلف المعلم.
الأمر الآخر الذي تشير إليه سحب الدعوة أن أمريكا لازالت تتمتع بهيمنة ولو جزئية على المؤسسة الدولية وتتعامل معها كأنها بيتها الثاني وذلك يعود إلى أن معظم تمويل المؤسسة من أمريكا. لعل روسيا تستطيع أن ترفع يدها بالفيتو, لكنها لا تستطيع تجاوز أمريكا بدعوة من تشاء إلى بيتها.
أضف إلى ذلك أن سحب دعوة إيران لم يكن ليحدث لولا تهديد المعارضة بالانسحاب. هذا الموقف يعطي انطباعا أن الثورة السورية بدأت بالفعل عملية فك سوريا عن إيران.
كل ذلك قد يؤدي إلى أن يعيد الكثير من السوريين المؤيدين للنظام حساباتهم إذا يجدون أن أكبر داعميه إيران قد أصبحت خارج نطاق التأثير عليه بغض النظر عن أسباب ذلك.


2- تسريب صور التجويع والتعذيب والقتل الممنهج قبل يومين من انطلاق المؤتمر حوَّل الصورة الذهنية التي تشكلت في الفترة الأخيرة عبر الإعلام الغربي عن النظام من صورة المظلوم من هجمات الإرهابيين إلى صورة نازي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. فالشعوب الأوروبية محفور في ذاكرتها صور مماثلة من الحرب العالمية الثانية لجرائم النازية في حق اليهود وتعتبر تلك الشعوب نفسها مسؤولة  بصمتها آنذاك عن تلك الجرائم. هذه الصور التي تسربت من سوريا أدت إلى إيقاظ هذا الشعور في الوعي الداخلي لتلك الشعوب مع نوع من الإحساس بالمسؤولية. لذلك ركز وفد النظام اليوم على أن هذه الصور ليست من نتاجه بل من نتاج الجماعات الإرهابية في محاولة يائسة لإعادة الوعي الداخلي الأوروبي للنوم. لكن الذي لم ينتبه له النظام نقطة حاسمة في قضية تسريب الصور وهو صمت إسرائيل الكامل إزاء هذه هالصور وما يعني ذلك للغربيين أن هذا السكوت هو إقرار ضمني بجريمة النظام الهائلة التي توازي جرائم النازيين. فمعروف أن إسرائيل تحتكر الهولوكوست ولا تسمح لأي شيء بأن يشوش عليها حتى ولو كان بمستوى مجازر صبرة وشاتيلا. صمت إسرائيل عن الصور لا يعني للوعي الغربي إلا أن الصور حقيقية وغير مفبركة وأن إسرائيل تقر ضمنا بأن هناك نظاما نازيا جار لها يرتكب جرائم ضد شعبه توازي تماما ما ارتكبه هتلر ضد اليهود من شعبه. لذلك تعي إسرائيل والغرب من خلفها أن إنكار هذه الصور اليوم سيفتح الباب بالضرورة لإنكار مستوى جريمة النازيين بحق اليهود. كان يُتوقع من اليهود في إسرائيل أن يكونوا الأعلى صوتا استنكارا للصور المسربة, فهم إذ صمتوا ولم يكذبوها فهم يقرون ضمنا بالجريمة.
يجب على الوفد السوري المعارض أن لا يترك وسيلة لشرح معاناة السوريين التي أصبحت الصور المسربة رمزا لها إلا ويستعملها. ومن ذلك أن يأتوا بالصور إلى الإعلام عند كل سانحة. قال المعلم قبل المؤتمر "سنغرقهم بالتفاصيل" ويجب أن يكون الرد "سنغرقكم في رائحة جرائمكم".
تسريب هذه الصور سيؤدي بالكثير من مرتكبي الجرائم التي فضحتها لأن يعيدوا حساباتهم فقد أصبحت الصور مثل حبل المشنقة الذي التف حول الرقبة ولم يبق إلى دفش الكرسي من تحت الواقف عليه.



3- الالتفاف السوري حول وفد المعارضة الذي كان له أثر كبير على الوفد في مونتيرو وانعكس على أدائه إيجابيا فيما بدا وفد النظام وكأنه يلعب خارج أرضه وجمهوره. يجب أن يستمر هذا الالتفاف حول وفد الثورة ومقاومة كل محاولات النظام لكسره. فالنظام يعلم أنه خسر إلى الآن المدرب "إيران" والإعلام  والأرض والجمهور, وسيحاول أن يضيع الوقت ريثما يتمكن من تطبيق خطة بديلة.
مازال في جعبة الثورة الكثير من الأوراق التي تقوي من موقفها أمام المجتمع الدولي. استعمال هذه الأوراق تباعا سيؤدي إلى إرباك ومن ثَمَّ  زحزحته  تدريجيا عن مكانه.
هذا الالتفاف حول الثورة سيؤدي بالكثير من المعادين للنظام ولكن غير الداعمين للثورة إلى مراجعة حساباتهم. فليس أقوى من صورة القوة والتوحد كي تكون مغناطيس الثورة الجديد.



السبت، 18 يناير 2014

سلسلة التدمير: كيف يشيطن الاستبداد خصومه


طارق أبو غزالة
مقال مستوحى ترجمةً وتصرفاً من فيلم وثائقي لما وجدت فيه من حقائق يمكن تنزيلها والاستفادة منها في العالم العربي ما بعد ربيع الحرية.


سلسلة التدمير هي خارطة طريق تستعملها القوى المتغلبة لتوطيد تغلبها على من يقاوم هذا التغلب.
هذا المفهوم ورد في فيلم وثائقي عن الحرب على المخدرات اسمه "البيت الذي أعيش فيه". The House I live in
الفيلم يتحدث عن حرب الحكومة الأمريكية على المخدرات خلال الخمسين سنة التي مضت وكيف استخدمت الحكومة سلسلة التدمير لدمغ جماعات إثنية أو وظيفية بمسمى المخدرات كي تبرر حربا لا هوادة فيها عليهم. فتحت هذه الحرب حاربت الحكومة السود, والطليان, والمكسيكان وحتى البيض.

يشرح هذا الفيلم بشكل مذهل الخطوات التي استعملتها الحكومة الأمريكية في كل مرة استهدفت فيها مجموعة من المجموعات المذكورة أعلاه. 
هو استهداف على الكاتالوج أو خارطة طريق اسمها "سلسلة التدمير" Chain of Destruction  تتكون من خمس خطوات متتالية وظيفتها شيطنة أي مجموعة لتبرير ما تريد الحكومة أن تفعله بها بعد ذلك.  
سلسلة التدمير هذه استمرت خمسين سنة لكن الخطير في الموضوع أن هذه السلسة وجدت طريقها إلى بلادنا وفي خلال سنتين أنجزت ما عجزت عنه الحكومة الأمريكية في نصف قرن. والسبب في هذا برأيي يعود إلى سببين: 1- الوعي الكبير لدى الشعب الأمريكي في فهم خطوات السلسلة -2 قوة المقاومة السلمية في أمريكا وتنظيمها المنضبط بسبب وجود قيادات متميزة قادت الحراك السلمي من أمثال مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس وغيرهم.

ما هي خطوات هذا السلسلة التدميرية؟

1-      التحديد : Identification

أي تحديد المجموعة أو الجماعة المستهدفة ووصفها بأنها مصدر اضرابات ومشاكل للبلد. فجأة ومن دون مقدمات تصبح هذه المجموعة مجموعة سيئة وشريرة ويبدأ المجتمع بتغيير نظرته إليهم فبعد أن كان أفراد هذه المجموعة أناسا صالحين يصبحون لا قيمة لهم.
فطريقة تضخيم أي مشكلة هو أن تسأل السؤال الخطأ ومن ثم تجيب عليه بالإجابة الخطأ.
عادة يكون السؤال: من المسؤول عن كل مشاكلنا اليوم؟ ويأتي الجواب في حالة مجتمعات الربيع العربي: الإرهابيون ومن يؤيدهم ومن يمولهم بل كل من لا يجابههم.
بهذه الطريقة تتشيطن هذه المجموعة ويصبح من الصعب حتى الوقوف على الحياد ناهيك عن تأييدها.

2-      النبذ Ostracization



وذلك بتسليط الإعلام عليهم لشيطنتهم ونبذهم ومن ثم نفيهم من المجتمع ليعيشوا في غيتويات. في هذه المرحلة يتعلم المجتمع كيف يكرهون أفراد هذه الجماعة وكيف يستولون على أعمالهم وكيف يجعلون حياتهم جحيما. في هذه المرحلة أيضا يُخرَج أفراد المجموعة من مساكنهم وينفون إلى الغيتويات المنفصلة عن باقي المجتمع. في هذه المرحلة أيضا يخسر أفراد المجموعة أماكنهم في المدارس والجامعات وينبذهم باقي الطلبة ويفصلون من الجامعات ويحل محلهم آخرون.
في مرحلة النبذ هذه يتحول أفراد المجموعة من أفراد مكروهين إلى أفراد خارجين على القانون مهددين للمجتمع. الغرض من كل هذا عزل هذه المجموعة عن باقي المجتمع ودفعهم خارجه إلى المنطقة الأقل مقاومة وفي بلادنا تكون باتجاه التطرف وحمل السلاح.
في أواخر هذه المرحلة يكون التأثير الاقتصادي قد أخذ مأخذه ونال من أفراد الجماعة وأنهكهم بسبب نبذ ومقاطعة المجتمع لهم.
3-      المصادرة Confiscation

في هذه المرحلة يخسر أفراد المجموعة حقوقهم وحرياتهم المدنية, بل تُغيَّر القوانين وتُسنُّ  أخرى لتسهيل معاقبتهم وتوقيفهم وتفتيشهم على حواجز الأمن والجيش ولمصادرة ممتلكاتهم بل لاعتقال وإخفاء الناس أنفسهم.
تُمرَّر هنا القوانين اللازمة لشرعنة مصادرة الأموال والممتلكات دون حتى الحاجة لبيعها في أي مزاد. وفي بعض بلاد الربيع العربي ظهرت المصادرات في اسواق خاصة تباع بثمن بخس دراهم معدودة.
عملية نزع الأملاك هذه تُسهِّل بالضرورة عملية نزع الأرواح. أما أخطر ما يتم مصادرته فليس الأملاك ولا الأرواح لكن مصادرة أي أمل بالمستقبل.
4-      التجميع Concentration

بعد المصادرة والاستيلاء على الممتلكات والأرواح تبدأ عملية التجميع باعتقال أفراد الجماعة وزجِّهم في السجون والمعتقلات والمخيمات. في هذه المرحلة أيضا يخسر أفراد المجموعة حقهم في التصويت وفي إنجاب الأولاد, ويسخَّرون ويستغَّلون في العمل. في هذه المرحلة أيضا تظهر حالات الاغتصاب والحمل وربما الإنجاب داخل السجون ما يؤدي إلى تغيير كامل في بنية ونفسية المعتقلين وقد يحدث في هذه المرحلة تغير شامل لدى بعض أفراد المجموعة في طريقة نظرتهم إلى المجتمع فمنهم من ينسحب تماما ومنهم من يبدأ عداوة شديدة قد تستمر لأجيال.
بعض أفراد الجماعة قد ينجحون في الهرب من مرحلة المعتقلات إلى بلدان حرة لكنهم يبقون دون موارد كافية لإحداث تغيير يذكر طالما بقوا مشتتين في بلدان الاغتراب.
5-      الإبادة Annihilation

سوريا

مصر
وهي المرحلة النهائية في سلسلة التدمير وهنا قد تكون الإبادة غير مباشرة بمنع الرعاية الصحية والطعام عن أفراد الجماعة وبمنعهم من التزاوج والإنجاب. أو إبادة مباشرة بالقتل العمد يشرعن في ذلك استعمال كافة الأسلحة من السكين إلى فض الاعتصامات إلى القصف الصاروخي وبالطائرة واستخدام الكيماوي أو أفران الغاز.

تحدث هذه الخطوات بزخم ذاتي ومن دون أي ضغط من أحد, وكل خطوة في هذه السلسة تؤدي إلى الخطوة التي تليها.  
الخطير في سلسلة التدمير هذه أنها حدثت كاملة في مصر وسوريا وفي زمن قياسي اختصر المسافات بين كل مرحلة من مراحلها ولعل سبب ذلك أن منظومة الاستبداد متجذرة في هذين البلدين لعقود طويلة استسلم خلالها شعب البلدين للأمر الواقع اللهم إلا انتفاضة هنا أو هناك يكون مصيرها إعادة حلقات السلسة من جديد. كما أن أحد أهم الأسباب في استطاعة النظامين في سوريا ومصر من حرق المراحل في سلسلة التدمير هو وجود آلة إعلامية جبارة شيطنت الطرف الآخر على مدار الساعة.
أما العامل الحاسم الذي استطاعت منظومة التدمير في سوريا ومصر به الوصول إلى الإبادة فهو عامل الجيش والقوات المسلحة التي أبادت الشعب دون أي صعوبة أو مقاومة تذكر من داخل هذه المؤسسة العسكرية والأمنية
لا أعلم ما هو الحل للفكاك من سلسلة التدمير هذه, إلا أن الأمر الوحيد الذي أعرفه أن لا بديل عن مقاومتها مع محاولة توعية باقي فئات المجتمع لمراحلها ولعملية غسل الدماغ التي يتعرضون لها, بالإضافة إلى تذكيرهم أن كل فرد فيهم مسؤول في الدنيا وفي الآخرة عما ترتكبه يداه وأن كل نفس بما كسبت رهينة ومهما ألقى المرء من أعذار للتنصل من المسؤولية الأخلاقية فهو لابد واقع تحت قول الله تعالى: بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
وفيما يلي رابط يشرح سلسلة التدمير من الفيلم الوثائقي البيت الذي أعيش فيه.

الأحد، 27 أكتوبر 2013

الرويبضة والسنوات الخداعات


د. طارق أبو غزالة

يستشهد الكثير منا بحديث الرويبضة للدلالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ينبئنا عن المستقبل الذي نعاصره اليوم. وهو ما قد يوحي بشكل غير مباشر إلى أن زمن الرويبضة هو قضاء الله وقدره على الناس.
لكني سأحاول أن أثبت أن هدف النبي صلى الله عليه وسلم من توصيف هذا الزمن هو عكس ذلك تماما.
وهذا نص الحديث:
"سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب و يكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن و يخون فيها الأمين و ينطق فيها الرويبضة . قيل : و ما الرويبضة ؟
قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة "
بداية, لا أظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي إلى إثبات صدق نبوته بعد 1400 عام على بعثته لكن أرى في حديثه الشريف وصفاً لظاهرة ستتكرر في المجتعات طالما تكررت أسبابها فاستعمل النبي لفظ "الناس" للدلالة على أنها ليست خاصة بشعب أو عرق أو دين دون آخر بل تشمل كل الناس.
ثم وصف النبي هذه الظاهرة بعبارة "سنوات خدّاعات" فكلمة سنوات تفيد على طول فترة هذه الظاهرة وكلمة خدع في اللغة حسب لسان العرب تعني: "أَراد به المكروه وختله من حيث لا يعلم" وأركان هذا الخداع هي قلب المعايير الحقيقية العقلية المنطقية المعروفة عند الناس من صدق وكذب وأمانة وخيانة.
أي سيأتي على الناس ظاهرة طويلة الأمد تستمر لسنوات تُخدع فيها الشعوب بغرض إرادة المكروه بها ويتم ذلك بقلب المفاهيم الأساسية المنطقية التي تنبني عليها الحياة من تعريف الصدق والكذب والأمانة والخيانة ليسهل عند ذلك خداع الناس وتمرير أي شيء عليهم. ولا بد لتمرير هذا الخداع من رجال تافهين يرفع شأنهم فيصبحوا عند الناس بمرتبة عالية لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم.
من هذا الحديث نستطيع استنتاج أمرين:
1- فهم أن ما تعرضت له الشعوب العربية من خداع خلال القرن العشرين وإلى الآن لم يكن له غرض إلا إنزال المكروه بها.
2- وهو الأهم: إن هذه السنوات الخداعات ليست قدرا لا مفر لنا منه بل نستطيع التخلص منها بالعودة إلى المعايير الحقيقية للأمور أي أن يصدَّق فيها الصادق ويكذَّب الكاذب ويؤتمن الأمين ويخوَّن الخائن ولا يتكلم في أمور العامة إلا الرجل الجليل العظيم القدر. والله أعلم.